عبور

عبور
الصورة لسارة بينيو
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أبريل 10، 2020

إلى دال في أواخر صيف ما - من أرشيف الرسائل

عزيزتي دال،

ها أنذا أجلس أمام البحر، كما تمنيت لي
مضحك كم كانت سريعة الحياة في الاستجابة لأمنيتك هذه المرة. ربما علينا أن نتوقف عن إطلاق أمانينا الخاصة وأن ننتظر أمنيات الآخرين لنا.

القرية هنا غالبية سكانها من الطبقة المتوسطة، لا توجد الكثير من النساء على البحر، وقد لا يكون هناك امرأة غيري هنا تجلس بالمايوه البكيني دون مبالاة لنظرات المراهقين والعابرين المتطفلين.

في السنة الماضية اكتسبت شجاعةً غريبةً عني في الشارع وفي الأماكن العامة. أصبحت لا أكترث للنظرات ولا لوجود الآخرين من حولي. أفعل الآن أمورًا لم أتخيل أني سأفعلها من قبل، أن ألبس "كَت" أو فستانًا مثلًا في وسط البلد، أو كما فعلت يوم السبت الماضي في العيد حين لبست توب كَت صدره مفتوح وذهبت للسينما وعبرت وسط فوج من الرجال الذين يحاولون دخول المول بسلاسة ودون مبالاة. بغض النظر عن درجة أمان الشارع والأماكن العامة حاليًا وعن مجهوداتنا على مدى سنين مضت، أعتقد أن هناك شيئًا ما في العبور إلى الثلاثينات. أحس بأني أكبر قليلًا من الصبية الهائمين، بأني أكثر حكمة، بأن عظمي أصلب وجلدي أخشن، وبأني قادرة على الصراخ بصوت أعلى والنظر إلى المتطفلين بعنف أكبر.

لا أعرف إن أصبحنا أفضل في تفادي الخراء، أم أن الخراء، حتى الخراء، لم يعد موجودًا من حولنا كما السابق. إن توقفنا عن ملاحقة الآمال الكاذبة أو أننا تعبنا حقًا وفي استراحةٍ طويلةٍ جدًا سنصاب بعدها بالخيبة مرة أخرى وأخرى وأخرى. لكنني أرى أننا بالتأكيد أصبحنا أفضل في توقع الخيبات والتعامل معها.

اليوم كنت أنظر إلى الموج وأتذكر كلام يلدا صديقتي، كانت تواسيني في فقدي العاطفي وتحدثني عن "اللاديمومة" أو "حتمية التغيير". كانت تتحدث عن أول خطوة في فهم ما حدث، نصحتني بأن أفكر بالموج، لكنني عندها لم أتوقف عن التفكير بالأشجار. كيف من بذرة تنمو إلى شتلة ثم شجرة ثم تموت ولو بعد حين. اليوم تمكنت أخيرًا من التأمل في الموج، كيف تولد الموجة ثم كيف تكبر وتهجم ومن ثم تنحسر، وأتذكر كيف أن كل شيء في حياتي كان هكذا. الخيبات أيضًا، حبي الكبير، وجعي الكبير، وحتى أحلامي واهتماماتي. حلمي مثلًا بأن أصبح أمّا.

الآن أريد أن أكتب أكثر، وأن أعيش في مكان مناسب لأن أكون أمًّا. أتساءل هل يمكنني ذلك يومًا؟ هل هذا حلمٌ أسهل؟

معك حق، علينا قبول لا يقينية اللحظة، وأننا سنعوم أحيانًا أو ربما دومًا على وش الفتة، وأن لعلّه خيرًا.
بغض النظر عن تحقق أحلامنا ورغباتنا المختلفة في ما يخص الأمومة أو الحب أو التحقق الذاتي أو العدالة الاجتماعية حتى، أصبحنا أقدر على تقدير لحظات صغيرة جميلة واقعية جدًا ويقينية جدًا مع ما تبقى لدينا من أنفسنا ومن الآخرين وأطفالهم.

أسرح أحيانًا في احتمال ألا أصبح أمًّا أبدًا، الفكرة غدت أقل قسوة علي، أجهز نفسي دون قصد لذلك الوقت إن أتى، أقول لنفسي سأفعل أشياءً كثيرة، سيكون لدي كل الوقت والحرية لكي أسافر كثيرًا، وأتأمل كثيرًا، وأرقص وأتمرّن وأتشمس كثيرًا، وأن أطبخ وأحب أكثر من مرة دون خوف، فالأسوأ أو ما ظننته الأسوأ قد حدث بالفعل! وأن أكتب وأقرأ وأغفو دون أي إزعاج، وأن آخذ توتة وبوري في مشاوير مثيرة دون ثقل الأمومة وذنوبها.

أجهز نفسي لكل ما يمكن أن يأتي، لكل شعور يمكنني أن أحسه. أحب كيف بإمكاني أن أطبخ وأن أحتضن وأستقبل أصحابي وأن أضيء الشموع وكأننا جميعًا في موعدٍ غرامي. لا بأس حين نكون وحدنا حقًا. لا بأس فعلًا.

هذه الفترة أعجز عن كتابة النصوص عدا الرسائل. لكنني بدأت أخيرًا، وبعد خمول شهور، بالقراءة من جديد. أقرأ الآن رواية مصورة جميلة بعنوان “Blankets”، كنت قد اشتقت للقراءة كثيرًا كثيرًا لدرجة البكاء. حبيبتي القراءة كنت ظننتها لن تعود، والآن أحس بأن حبيبتي الكتابة ستزورني في وقت ليس ببعيد.

أتمنى لو يومًا أتجرّأ وأنفّذ بعض الأفكار التي تجول في رأسي، ومنها جلسات الكتابة حول حروبنا الشخصية كنساء خرجن من رحم نساء، ومن بيوت وتجارب كثيرة، وكيف ننجو ونستمر بالنجاة. حتى في رسالة كهذه أنجو.

سآكل منقوشة بالكشك خبزتها ريم منذ قليل، أحيانًا أحس بأن ريم أمي، ثم أحس بالذنب لأنني أنسى أن أتصل بأمي. سأحادثها حين أعود للشاليه.

رسالتك أنعشت قلبي، حقًا، شكرًا على الشجاعة يا دال، ولأنك دعوتني للسفر، للبحر وللكتابة.

الجمعة، 8 سبتمبر 2017





السبت، أغسطس 04، 2018

عن الارتباك والقبول: أم وبنت وبينهما معبر رفح

نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس2017



عدت لبيتي بعد أن أوصلتها إلى المحطة الأولى في طريق عودتها لبيتها. كلتانا تحبان صُنع البيوت، كلتانا تحتفظان بأصغر الأشياء، تقتنيان الشمع، تأكلان ما أعشب في الأرض، كلتانا تحبان الحياة، بل تقاتلان من أجل الحياة.

لا نحب هذا الوداع، فبيتها الصغير كبيتي، ليس في الشارع المقابل، ولا في الحي المجاور، ولا حتى في المدينة الصغيرة على بعد ساعتين أو ثلاث. بيتها هناك، حيث ينصبّ ظلم العالم كله على الحدود وما وراءها بلا هوادة. بيت أمي هناك، في الطابق الخامس من إحدى بنايات شارع اللبابيدي في غزة.

قبلها بعدّة ساعات، كنت تحت الماء الساخن أتأمل بصمت زجاجات الشامبو المصطفة على طرف الحوض. لملمنا كل الأشياء وضغطنا الحقائب لتسع أغراضها القديمة والجديدة. لم يتبق سوى زجاجات شامبو الأطفال الذي تستخدمه؛ لن تأخذها معها. فكرت بأن ذلك أفضل، سأذكر أمي في الأيام القادمة كلما فاحت رائحة الصابون.

وَصلَتْ أمي القاهرة منذ شهر وسبعة أيام، بعد سنتين من الغياب. أربعين ساعةً قضتها بين الانتظار في الباص والنوم على أرض المعبر المصري والتقدم البطيء في الصحراء والتعطّل المتكرر على الحواجز وعبور النيل نحو المدينة المزدحمة البعيدة زمنًا وعذابًا (لا مسافةً)، حيث أسكن أنا، ابنتها. ومنذ يومين، جاءنا الخبر العشوائي دومًا بفتح المعبر، ومعه بدأت طقوس الوداع على عجل.

ليس للفلسطيني العابر من غزة إلى مصر اختيار متى يسافر ولا متى يصل ولا متى يودع أو يعود، مصيره معلّقٌ دائمًا في الهواء. ليسافر عليه تسجيل اسمه ضمن قوائم انتظار طويلة، وترقب دوره، والصلاة للحظة انفراج ما يُفتح فيها المعبر. وعندها فقط، وإذا كان محظوظًا فأتى دوره وكان اسمه ضمن القوائم الموافَق على مرورها من قبل الجهة المصرية، واستوفى جميع المتطلبات وأدى فروضًا باهظة الثمن في أحيان كثيرة، تبدأ رحلته الشاقة؛ يبدأ بالدعاء بأن تكون الرحلة أقل قسوة من توقعاته والأخبار التي يسمعها عن الطريق، وألا يضطر للوقوف لساعات على حاجز «الريسة» في العريش وغيرها من الحواجز، وألا تضيع أشياؤه وأوراقه وتتبعثر في كل مكان نتيجة التفتيش العبثي المتكرر. وأخيرًا، وبعد ساعات طوال، يصل المسافر إلى القاهرة أو إلى طائرة ستأخذه إلى عمل أو علاج أو زيارة مؤجلة للأحبة. وحين يريد العودة، لانقضاء حاجته من السفر أو لاضطرار ما، يبدأ الفلسطيني من جديد حالة الانتظار والترقب والأمل بأن يفتح المعبر. وحين يُفتح أخيرًا، يصلّي هذا المسافر التعس، هو وأحباؤه على الجانبين، أن يصل غزة حيًا سليمًا يُرزق.

تقطع خلوتي حين تحدّثني من وراء ستارة الحمام. أبتسم قبل الإجابة على أحد أسئلتها الكثيرة وغير الضرورية في الكثير من الأحيان. لا تزال بيننا تفاصيل حيّة من علاقة أم بابنتها، لا تزال رائحة عيشنا المشترك القديم قادرة على الانبعاث بين الفينة والأخرى، لكن ذلك لا يشفي ما فقدناه في سنوات البعد الطويلة منذ انتقلت للعيش خارج غزة، وتحديدًا في السنتين الماضيتين، حين لم نتمكن من اللقاء بسبب إغلاق المعبر لفترات طويلة، وصعوبة الطريق، وضياع فرص الخروج النادرة، وارتباطي بالعمل حيث لا يمكنني أن أخاطر بالسفر والغياب لأشهر حتى يُفتح المعبر فأخرج من جديد.

في البُعد، نكون امرأتين مستقلتين في بيتين منفصلين. تختفي موازين القوى وعلامات التاريخ. تعيش كل واحدةٍ في عالمها الخاص، تغوص في تفاصيل عملها، تنسج علاقاتها، تحتفي بنجاحها وتراجع مواضع فشلها، تبني أفكارها ونظرياتها عن العالم والنسوية والمجتمع، وتهتم بقلبها. وفي المساء، ترسل كلٌ منا صورة أو رسالةً قصيرة تطمئن بها على الأخرى في الجهة المقابلة.في اللقاء، المفاجئ طبعًا بسبب ظروف المعبر، تنكشف مساحة الاختلاف، وينمو الارتباك في محاولة استعادة مؤقتة وغير محددة المهلة لما نذكره عن العيش المشترك والطابع الحسي للأمومة والبنوّة. ندور حول البيت وحول بعضنا البعض بحركاتٍ سريعة متخبطة كلعبة الكراسي الموسيقية، بانتظار صافرة النهاية لتجلس إحدانا وترتاح.

"إن تجودي فصليني أسوة بالعاشقين، أو تضنّي فاندبيني في ظلال الياسمين"


منذ رجعت إلى البيت وأنا أدندن الأغنية، مستعيدة الساعات القليلة السابقة. صباح السفر تركتني أمي أوضّب حقيبتها، في اعتراف ضمني بمهارتي المتراكمة عبر سنوات من السفر والارتحال بين المدن والبيوت. جلست هي على الكنبة تكمل الصفحات المئة الأخيرة من رواية واسيني الأعرج الضخمة التي اشترتها من معرض الكتاب، وجلستُ بجانبها أرد على بعض الرسائل. حدّثتها لأول مرة منذ أتت عن نيتي في الكتابة أكثر. راجعنا خطوات اليوم حتى لا ننسى شيئًا، ثم طلبنا السمك المشوي، وأثناء انتظار وصوله استمعنا لصباح فخري يغني. ضحكنا كما كنا نفعل منذ طفولتي على فيديو له وهو يرقص في منتصف الأغنية، ثم بدأنا بالرقص معه. رقصنا سويةً لأول مرة منذ حضرت في احتفاء مكتوم؛ مهارتنا في الرقص لم تتأثر بالبعد إذن. الرقص أيضًا لا يزال يجمعنا.

الشهر المشترك لم يكن سهلًا. في كل مرة نفترق تبعد المسافة أضعافًا، نكبر في البعد أكثر. وهذه المرة كانت الأصعب بعد سنتين من الغياب. أمي كبرت، وأنا كبرت أيضًا. خذ امرأتين قويتين تعيشان بمفردهما، واحدةً في الستين والأخرى في الثلاثين، ضعهما في بيتٍ من غرفةٍ واحدة، بشكلٍ مفاجئ ودون مدة محددة، وانظر ما سيحدث.

في البدء اختبرنا مجموعة من المشاحنات اليومية المكثفة. كنت – ولا أزال – أستغرب من بعض ما تقوله أو تصنعه أمي، من هذه المرأة الستينية في مطبخي؟ في غرفتي؟ أمام مرآتي؟ متى أصبحت تحب المربّى بهذا القدر؟ بلا شك استغربتني هي أيضًا، وإن لم تعبر عن ذلك بوضوح، فمتى أصبحتُ أكره نور النيون لهذه الدرجة؟ لماذا لا أحب المربّى؟ تنازعتني نفسي بين الاختناق من الضيق المفاجئ في المساحة الشخصية وبين طاقة الحب والحنان التي أضاءت قلبي. ولم أنفك عن التعجب والإعجاب والاستفزاز في آن واحد من كم التشابه بيننا.

لقاؤنا بعد غياب أشبه بعملية استعادة جزئية بعد فقد، يتخللها بالضرورة بعض الحداد. في المسافة لا ندرك بالضبط ما الذي فقدناه، المحادثات الهاتفية والصور والرسائل القصيرة لا تكشف المتسرب من الأوصال. يخدعنا التواصل الإلكتروني، أما اللقاء فيعرينا ويعري كل ما جرّبنا، بوعي أو دون وعي، أن نخفيه عن الآخر.تمضي الأيام الأولى مع أمي في حالة حداد، إنكار وغضب ونشوة وفرح مفاجئ يليه حزن وتخبط. لكن مع الوقت – إن حالفنا بعض الحظ – نستعيد بعض الهدوء وننتقل ببطء لحالة القبول: قبول الفقد، قبول تقدّم العمر، قبول الاختلاف، قبول الطريقة الجديدة في العيش، قبول القرب الشديد والشفافية، مع الهشاشة التي تصاحبه، وقبول علاقة الأم والابنة من جديد. يغدو هنا الحديث أكثر انسيابية، ويصبح العيش المشترك أقل ضغطًا، والطبخ المشترك أكثر متعةً. شيئًا فشيئًا، تبدأ كل واحدة برسم منطقتها وفهم منطقة الأخرى، نبدأ بإعادة الاكتشاف.

إلا أن الوقت دائمًا ما ينتهي قبل أن نصل إلى نقطة «العادية»؛ تعلن السلطات المصرية فجأةً عن فتح المعبر، ويحدث هذا دومًا قبل أن نعتاد تمامًا على الترتيب الجديد، أو المستعاد، بلحظة واحدة. تنتهي حالة الاحتفال والحداد والتعوّد، تختفي الأيام الماضية ويختبئ القلق من الأيام القادمة ولا يتبقى لدينا سوى يوم أخير. امرأتان، صديقتان، أم وابنة، وبضعة ساعات لاكتناز الحب والرقص والأكل والموسيقى والأحاديث وحزم الحقائب.

فجر البارحة، قطعت أمي الصحراء الخطِرة من جديد لتعود إلى منزلها في غزة. ستغرق من جديد في روتينها وعملها الذي ستتمسك به حتى آخر لحظة من عمرها، فهي لا تعرف الجلوس دون حركة أو إنتاج. وأنا بدوري، عدت إلى منزلي في المدينة القاهرة، وسأغرق مثلها في تفاصيل عملي وحياتي، صداقاتي والازدحام وأحلام السفر وغلاء الأسعار. منذ سنوات، عندما اختارت كلّ منا مدينتها، كنا نعتقد أننا على بُعد «سفرٍ» فقط، كنا نعتقد أن غزّة والقاهرة هما أقرب نقطتين لخطّ موصولٍ بيننا. لم نكن نعلم ما ينتظرنا من مسافات مضاعفة وتعقيدات سياسية وطوابير انتظار وتنسيقات ومخاطر طريق.

اليوم هو الثامن من مارس. أفكر أن المعبر انفتح في وقت مناسب لتستيقظ أمي في بيتها وتشارك في احتفالات وأنشطة يوم المرأة العالمي كما تفعل كل سنة. بعد شهر منقطع عن العمل أتخيل صوتها الذي تربيتُ عليه، يصدح في الندوات والاجتماعات والشجارات والحملات المدافعة عن حقوق النساء.

أما أنا، فاستيقظت اليوم وحدي دون صوتها وحركتها، أعددت الفطور الذي أحبه، وغيّرت ملاءات السرير، وجلست أكتب هذا النص، تتنازعني نفسي بين ثقل الصمت والوحدة، وبين الاستقلال بمساحتي الشخصية من جديد، وبين انتظار اللقاء القادم بكل ما يحمله من شوق وحب وفقد ومواجهة وحداد وإعادة اكتشاف.

*نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس 2017

**في السنة التالية، أعادت مدى مصر نشر المقالة بالإنجليزية في نفس التاريخ 8 مارس 2018، ترجمة ناريمان يوسف

 

السبت، ديسمبر 31، 2016

رأس سنة


كنت أرغب بأن أكتب: مع السلامة أيتها الصعبة القاسية
كم كنت أرغب في ذلك، أملاً في الأسهل الحنون
لكنني فكرت في السنوات الماضية
أخذت أبحث عن السهل الحنون مقابل الصعب القاسي، ولم أجد شيئاً في جعبة الذاكرة
فكرت بأن العالم لا يتغير حقاً في عمرنا القصير.
كالطرقات الوعرة، كالجبال التي تثلج كل سنة وتمنحنا المياه الباردة في الصيف، كطعم الفاكهة، كمجمل قصص الحب والأيام الأخيرة للموشكين على الموت، كالحروب التي لا تنتهي، العالم لا يتغير -لهذه الدرجة- في عمرنا القصير.

فقط نصبح أكثر خبرةً في عبور الممرات الضيقة، وأكثر معرفةً بالحفر والتضاريس داخل الطرق التي تعثرنا فيها سابقاً، فيصبح الصعب القاسي القديم، ذلك الذي أبكانا وأدمانا، يصبح سهلاً حنوناً في المرات التالية.

ولأننا محظوظون، من بقي منا على قيد الحياة على الأقل، ولأننا منكوبون بنفس القدر، هناك طرق جديدة تنفتح أمامنا كل عام. طرق لا نعرفها ولا نفهمها بعد، طرقً لم تتدرب أرجلنا على السير فيها.
ولأننا بشريون، نفضّل اليقين على المجهول، سنظنّ بأن الجديد القاسي صعب، حتى نقع منهارين ثم نقوم، ثم نلعن الساعة، ثم نصبر، ثم نعرف، ثم نصير خبراء ثانية في الطريق الجديد.

سنحب أن نزايد على الصعوبة والقسوة، سنحب أن نبحث في الماضي عن سنة أصعب أو أسهل لنخفف على أنفسنا عبء التحدي الجديد؛ الخوف الجديد والتخبط الشديد الذي يرافقه، أو لنمنطق عدم شعورنا بنفس الصعوبة في إحدى التجارب. لكننا إن نظرنا حقاً سنجد السهل والصعب وجهان لعملة واحدة تفرقهما الخبرة والتجربة.

أود أن أقول، وداعاً أيتها الصعبة أملاً في السهل الحنون
لكنني أتذكر أنني محظوظة بالحياة وبالتجربة وبعض النجاح وبعض الفشل
وأفكر بأن الجديد صعب أحياناً، لكنني لا أريد أن تحرمني الحياة من الجديد

كل عام وإحنا بنوقع ونقوم، وحوالين بعض في الصعب والسهل، في الحل والترحال

الثلاثاء، ديسمبر 20، 2016

تعريف العادي


العادي هو المتكرّر
الذي نعرف دائماً أننا نعرفه
أو نعرف دائماً أننا نجهله
هو اختزال التفاصيل والأوصاف
لمن لم يحدث له جديد

العادي بإمكانه
أن يكون القاسي
الحالم
الرومانسي
القاتل
السارق
المحب
الأبوي
أو الفطور الصباحي

يعيش فينا وبيننا كحرباء
في هذه الصحراء، وما قبلها، وما سيأتي بعدها
وسيظل العادي قادراً على التسلل
وتغيير لونه ببطء
كما تتسلل الفصول

يصبح العادي عادياً آخر
يتكرر يتكرر
بانحناءات بسيطة
وانحرافات لا يراها البشر
يتكرر حتى
يخلق بيننا، أو لصاحبه
تكراراً جديداً
نكاد لا نذكر
ما كان قبله



*نص ذاتي نتاج إحدى جلسات ماراثون كتابة "صحراء ما بعد الهزيمة"، ١٤ - ١٠- ٢٠١٦

الجمعة، أكتوبر 14، 2016

بلوز

نشرت على موقع رمّان - بوابة اللاجئين الفلسطينيين بتاريخ 14 أكتوبر 2016

في حديقةٍ عامة
في المدينة البعيدة
أجلس على العشب الأخضر

السنونو،
في سماءٍ تخلو من الآلام والشوائب
يحلّق فوقي
يلقي بظلّه عليّ

الحرارة تغري بالتصاق جسدين

وسط الحديقة أجلس
وسط أشخاص كُثُر
أزواجٌ
وأحباء
عجائزٌ
نساءٌ حوامل
وأطفالٌ عابثون

أستمع لموسيقى البلوز
وأراقب زرقة قلبي

الناس من حولي
يرقصون
يشربون البيرة
ويدخنون لفائف
بنكهاتٍ شتى
وأنا..

أفكّر بالبطاقة البريدية الأولى
التي لن أرسلها لك
وأفكّر - وسط الجمال -
بكل البلاد البعيدة التي
لن أزورها معك
وكل الموسيقى
والأفلام
والحدائق العامة
التي سأجلس فيها مع كل الناس
إلّاك

أفكّر كيف الأيام
تغدو خفيفةً
شيئاً فشيئاً
وكيف أني سأختبر الحياة التي
خبّرتك عنها مراراً
وكتبت عنها مراراً
كيف سأختبرها
بهدوءٍ
وحبٍ
وألقٍ
مع أحدٍ غيرك


الاثنين، يونيو 06، 2016

٣١ واحدٌ وثلاثون 31

اليوم الأخير من كل عُمرِ يعود مجدّداً
أستيقظ عليه في مدينة بعيدة
وحدي مع شمس الصباح هنا
وأفكار كثيرة تطوف من حولي
دون أن ترقد مطوّلاً

أفكر بالكتابة عني
أنا وحياتي المتجددة
كم من دورة مع النفس خضت هذه المرة لأصل هنا
عند خط النهاية/البداية

مرت السنة بسرعة
مرت غنيّة
مكتظّة بكل شيء وعكسه
مكتنزة بالنفس
بالأنفاس
بانحناءات الجسد
بالاكتشافات الصغيرة
بساعات طويلة في البيت والمطبخ

وبالوحدة
لا..
بالعزلة،
أو بأن..
أكون وحدي

هذه السنة
كبرت سنوات كاملة
زاد الوقت الذي لم أر فيه أبواي سنة
أنا "الطفلة" الوحيدة
وأقفلت سنوات معلّقة في القلب والذاكرة

دخلت امتحاناً صعباً
في الحب والفقد
في القبول والغفران

ودخلت سرداباً من النور المقدس
نحوي
سرداباً لم أختره لكنه اختارني
منحني عطاياه هذه السنة
لأبدأ الخطوَ نحو الذات
وأُدهِشَني

دخلت سباقاً مع الخوف
لا زلت أركض فيه
وأعرق
لكني أشدّ ساعداً
وأرى الخوف أحمق

أخذت عهداً مع النفس
على الصبر
على الصمت
على السكون والاستكشاف والخلق
على الإصرار
وللمرة الأولى أبطء الخطوَ
ألتهم أنفاساً عميقة
أبتسم بهدوء باردٍ على القلب
أمارس طقوسي
أتحسس ثناياي على مهل
أمتلئ بالإيمان والتصديق
وأراني في الكفّة الراجحة

هذه السنة
ولأول مرة ربما
عاملت نفسي بما تستحق من الحب
عاملت جسدي بما يستحق من العطاء
وسامحتني بكل ما أوتيت من قدرة
فكافأتني النفس
وكافأني الجسد
بالحب المضاعف والعطاء
بمساحات خضراء في الداخل لا وحوش
ومفاجآت مفرحة

وفي هذه الأمسية الصيفية المتجددة
من شهر حزيران
سأزهر من جديد
لأفتتح دورة جديدة من دورات هذا العمر
وأشهق..
كم كريمةٌ هي الحياة!

في مدينة بعيدة
خارج بيتي
خارج منطقة الراحة
أترك المكان والزمان لأسافر إليّ
أستمتع بالكتابة
ألتاع بالموسيقى
أكتشف إيقاعي
أنفرد بالصباحات البطيئة المضيئة وحدي
أستقي الحب منّي
وأختبر البيت داخلي




 شيكاغو
٦ حزيران ٢٠١٦















الثلاثاء، سبتمبر 29، 2015

يوغا ١

الصباح وحدي
سكون العالم
صوت الأنفاس مع صلاة الشمس
تدحرج قطرات العرق المقدس مع كل وضعية جديدة
تحدي الخوف
دحر الكسل
خوض الصعاب
إيمان بالنفس
رؤية أخرى لقوة الجسد
احتفاء بقوة الروح
إدراك للقدرة الذاتية على تخطي الألم والمسافة والسلبية والقلق والوحدة
***
أوم.. شانتي شانتي شانتي
أوم.. سلام سلام سلام

الاثنين، سبتمبر 07، 2015

صراع من نوع نادر وعميق وحقيقي وأبله

عندي صراع
صراع من نوع نادر وعميق وحقيقي وأبله
من النوع المثير للقلق والغضب والضحك والحزن والسخرية والابتذال
عندي صراع إنساني جداً أو شيئي جداً مع الدفاتر/الكراسات/الأجندات/النوت بوكس
أعرف الدفاتر التي تصرعني من أول نظرة ولمسة
أحبها ناعمة ملساء، بلون سكري، بدون خطوط
أغلب هذه الدفاتر تكون باهظة الثمن، وهذا مصدر آخر للسخرية
لكن الصراع لا يدور غالباً حول إيجاد الدفتر/الدفاتر التي أحبها
الأزمة تكمن في توزيع أفكاري واحتياجاتي على كل هذه الدفاتر التي أهوى
الصراع يبدأ مع كل فكرة، حيث تقف على باب عقلي لثوان، أو لدقائق، وربما لساعات، وأحياناً لأيام قبل أن أحسم الجدل الدائر حول مستقرها النهائي في أي دفتر
أو أن أفقدها في الزحام

جربت أن أحمل دفتراً واحداً لكل شيء. لأرقام الهواتف، وملاحظات الطريق، ونقاط الاجتماعات، وأسماء الأغاني الجديدة التي أسمعها. لوصفات الأكل، لأفكاري الهائمة، لرسوماتي، وأيضاً لمذكراتي المتفرقة، وخطاباتي الخاصة مع نفسي الحنونة منها والموبخة والشاكية
لكن في الأمر شيء ما يبعث على الخوف، أن أزرع عالمي كله في دفتر واحد، وكل مرة ينتهي فيها دفتر جامع، أسأل نفسي ترى ما هو الحجم المناسب للدفتر الجديد، وما هو الغلاف المناسب لشيء سيتنقل معي في كل مكان، وكيف أسترجع معلومة ما حول أي شيء من أي دفتر؟ الدفاتر عادة ما اتخذت ترقيماً وتاريخاً للبدء وللانتهاء، لكن هل يكفي ذلك لأستخرج اسم شخص تعرفت عليه أو أغنية استمعت لها في مقهى أحد أيام السنة الماضية؟

حسناً جربت العكس. حملت أجندة مواعيد، دفتر ملاحظات صغير، دفتر مذكرات يومية أكبر، دفتراً خاصا بكل ما أخوضه أثناء رحلتي في استكشاف نفسي، ودفتراً آخر للعمل. ياللضياع!
أجندة المواعيد شبه فارغة، أسجل فيها الحدث بعد وقوعه.. 
دفتر ملاحظاتي الصغير ملتبس الهوية، لا أعرف ما الذي يجب تدوينه فيه
لست واثقة بخصوص نوع المذكرات التي أكتبها، ولا أتمكن من حمل دفتر مذكراتي إلى كل مكان لكبر حجمه ومصائب محتواه
الدفتر الذي أستخدمه في التحليل النفسي معي دائما إلا أنني أنسى التدوين فيه أو أشك في أنه الوجهة الأمثل لتدوين بعض الأفكار
ودفتر العمل أزوره بشكل نادر..
ومع كل هؤلاء، فكرت باقتناء دفتر صغير جداً لأدون فيه كلمة واحدة أو اسم أغنية واحدة أو شيء ما واحد أنا ممتنة تجاهه كل ليلة مع التاريخ
لكنني كبحت رغبتي في آخر لحظة، هكذا سيصل عددهم إلى ٦ دفاتر أتصارع على حملهم بشكل يومي معي

هذه قصتي كما أخبرها
وكما أقول لكم
صراع حقيقي فعلا مع دفاتري، والدفاتر الأخرى على رفوف المحلات
صراعي مع عقلي، وأفكاره وتنوعها 
صراعي مع التصنيف والذاكرة والاستعادة
كل دفتر هو مسؤولية جديدة، علي الاعتناء بها ومتابعتها
كل فكرة هي مسؤولية جديدة، لأحتفظ بها علي تدوينها في المكان الصحيح واسترجاعها في وقت ما
هذا الصراع وتفكيري به يتسبب في توقيف عدد لا بأس به من الدقائق في حياتي اليومية
هذا الشلل أمام الصفحات، والارتباك أمام الأفكار، والجهل بتوابعها وتوابع تدوينها، أو بفائدة تدوينها حتى
أشعر باضطراب حقيقي تجاه الصفحات التي لا أعرف أن أملأها بالكلام
تجاه تواريخ الأيام التي تسربت من أجندة المواعيد
تجاه مذكرات بعض الأيام التي اخترت أن لا أكتبها أو تكاسلت عنها على عكس غيرها
تجاه فقداني القدرة على الإمساك بأيامي، وبالزمن حولي، وبالأفكار المتدفقة مني وإلي

هذا هو الصراع الذي جاءني مسّ الكتابة عنه عندما خطرت ببالي فكرة وعطلت لمدة دقائق لأنني نسيت أن أحمل الدفتر المخصص لها عندما خرجت من المنزل هذا الصباح

هذا هو الصراع الذي هو جزء من جنوني في هذه الجولة من الحياة


السبت، يونيو 06، 2015

٣٠ ثلاثون 30


أجلس في السرير تحت غطاء صيفي خفيف
أرتدي ثوب نوم جديد
أظافر قطي الصغير المشاغب تغرز في ذراعي
تذكرني بالوقت

أقل من ثلاثين ساعة متبقية
بانقضائها سأبلغ الثلاثين 
في القاهرة
وسط حبيب وأصدقاء أقرباء
وبعيداً عن أحباء
في المدن الكثيرة التي عشت وزرت

أستمع لتسجيل صوتيّ قديم
على شريط كاسيت حولته أمي لـ"تراك"
الصوت الطفل يقول: "أنا سوسو الحبّابة"
أغمض عينيّ لثانية
سأصير ثلاثين سنة كاملة
"أنا سوسو الحبّابة"

أتساءل منذ أشهر بصوت منخفض أحياناً
ومرتفع جداً أحياناً أخرى
عم سأفعله بهذه المناسبة!
عم ينتظرني يومها؟ أو بعدها؟
وبمجرد التساؤل
-بمعدل مرة كل يومين أو ثلاثة على الأقل-
أدخل رحلة بصرية وسمعية لا تصدق
من الأحداث التي عشتها في السنوات العشر الماضية
-أضحك على "لا تُصدّق"
لكنني بالفعل غير مصدقة
بأنني هنا، نفسي التي كنت هناك وهناك وهناك
مع ذاك وذاك وأولئك-

يكرّ الشريط أمامي، كـ"نيجاتيف" صور قديمة
أتخرج من الجامعة، أعود لغزة
ثم أسافر لدبي
أتزوج، ثم أسافر لشيكاغو
أفارق، ثم أعود إلى بيروت، ثم أرتد إلى القاهرة
أحب وأغامر وأحب 
أسافر وأسافر وأسافر
أصنع أصدقاء من المجانين والحالمين
أستجمع شجاعتي بعد كل وعكة لأرمم نفسي بكل الطرق الممكنة
أقفز بين كل عمل والآخر، ومهمة وأخرى
بمزاجية خاصة، وجناحين قويين
من الأبحاث الميدانية الاقتصادية إلى كتابة المقالات التجارية
إلى صدفة الترجمة والتدقيق، ومغامرة الأنروا والسياسات الصحية
وإدارة الحملات الافتراضية إلى إدارة مساحة مجتمعية
ثم أتنبه لغرزة ظفر في جلدي فأستفيق من الذاكرة

على أعتاب الثلاثين
أقل من ثلاثين ساعة متبقية
أربي القطط
وبي لهفة لتربية الأطفال
أعرف الفرح
كما أعرف الحزن
أقبل الفرح
كما أقبل الحزن
ممتنة لمن تمسكوا جيداً خلال الرحلة
فظلوا معي
ولست حزينة على من أفلتوا بحبال الوصل
لضعف سواعدهم
أقترب من الروح
أستمع أكثر للجسد
أستكشف اللطف مع النفس
أعترف بنفسي، أقبلني أكثر
وأكتب بملحمية كما اعتدت
وربما كما سأظل دائماً


الأربعاء، سبتمبر 17، 2014

يا لكَ يا أيلول

يا لبُخلك يا أيلول

ماذا فعلت لأستحق هذا الجفاء في الحرف؟
الجفاء في ومضات القلب الصغيرة
الكلمات

***

يا لكرمك يا بوابة السنة الحقيقية

ماذا فعلت لأستحق هذا الحب كله ينهمر عليّ من ثقوب بسيطة في قلب فتيّ؟
الحب يغسلني كما لو كنت طفلة لطخت ثيابها بالطين والمانجا
الحرارة مرتفعة
والخوف أيضاً
المسافة بين الواقع والخيال

***

يا لتناقضاتي فيك يا أيلول
يا لأسئلتي الكثيرة
وحوشي الكبيرة
أنفاسي الطويلة
ومغامراتي مع الذاكرة
مع النسيان
العبور من يومٍ لآخر، من ساعةٍ لأخرى
من نفَسٍ لآخر

***

أحسّ بقلبي يا أيلول
أخطو
أرتجف
وأخاف
وأفيق
وأذكر
وأغفو على حلم
وأصحو على حلم
وأجرب

مذاقات جديدة
مهارات جديدة
مشاهدات جديدة

وأنا جديدة
ترتجف مترقبة
مندهشة

الاثنين، أغسطس 25، 2014

كأيّ يوم في أغسطس

حرٌّ قائظٌ
لكن الإصرار على النجاة
والسير دون خوف
دون عجلة
ودون التفات للوراء
يهدئ القلب
يلقي فيه برداً وسلاماً

السبت، أغسطس 23، 2014

تحدٍّ مفتوح مع أيام الجمعة

القرارات الحاسمة سيّدة النِعم
القرب عند الرغبة في القرب
البعد عند الرغبة في البعد
الجلوس مع الذات عند الجلوس مع الذات
والوضوح في كل مرة
الصدق


الأيام أفضل بكثير
النّفَس - وبعد التخلّص من الأرجيلة أيضاً - أطول بكثير
أنقى وأعمق
الأفكار مركّزة
مختصرة
نادراً ما تمارس اللف والدوران


القلب أخف
يكاد يطير
يعيد اكتشاف الموسيقى، الصورة، الخيال، الكتابة
والمذاقات كلها


وحدها أيام الجمعة
تظل لعينة
وحدها تسير في ممرّات ضيقة ومعتمة
تعيد خلق المتاهات


أيّام الجمعة
تهيل الماضي عليّ
أكواماً من التراب الملوّث
فأبدأ من جديد رحلة النبش
والخروج للهواء الطلق


لكن الأيام أفضل بكثير
ومرّة بعد مرّة يغدو النبش والخروج أسهل


هناك حكمة ما، أقول لنفسي
فأيّام الجمعة ستبقى أيّام جمعة
لن تتوقف عن العودة
لن تسحب لعنتها
أنا فقط من تتكرر لي الفرصة كل مرّة
لأحفر طريقاً جديدة
بجهد أقل
وصدق أكبر
وحسمٍ أشد
لأخترق التراب الملوّث
نحو الهواء الطلق
نحوي

الاثنين، أغسطس 11، 2014

ملاحظات لا بأس بها 1

أحب الأشياء نظيفة
أحب الأغراض مرتّبة
أحبها جديدة

لسنوات، سنوات طوال، كنت أحافظ على الأشياء مرتبة نظيفة جديدة رغم السفر ورغم ضيق الوقت ورغم كل شيء

كنت أحزن حزناً حقيقياً على أي شيء يعكر صفو صورة الأشياء في عيني، لونها، ملمسها، نظافتها، وجودها نفسه

ومنذ فترة باتت هذه الرغبة أقل ثقلا في ميزان رغباتي
لم أرها جنوناً قبلاً، ولا أراها جنوناً الآن بعد تغير ذائقتي
أراني أنا أعيش معانِ جديدة لعلاقتي بالأشياء

انتقلت من مراقبة الأشياء والتعامل معها عن مسافة، إلى مراقبة علاقتي بها وأثري عليها كما أثرها علي

حين يضيع خاتم أو فردة حلق، أبحث بتروٍّ وبأمل متوسط، أحزن حزنا متوسطاً، ثم حين لا أجد ضالتي أقول "مفيش مشكلة، خلص عمرها" أو بالأحرى انتهت رحلتها معي، انتقلت لعالم آخر وربما شخص آخر

وحين تتسخ تنورة أو فستان أو حين أرى ثقباً غير قابل للإصلاح في قميص، أبلع ريقي وأفكر بأن نهاية الرحلة قد حلت مع هذه القطعة، وبأن الحياة كريمة جدا لأنها منحتني فرصة اكتشاف ثوب أو قميص جديد

وحين أنسى غرضاً هنا أو هناك في المنزل، حين تختلط ملابسي داخل خزانة الثياب، حين تتراكم الكتب بجانب سريري، لم أعد أجزع وأحس بالفوضى. آخذ نفساً عميقاً وأمنح نفسي فرصة الترتيب من جديد، ومع الترتيب تأتي الإثارة المصاحبة لإعادة اكتشاف الأغراض المنسية أو الثياب المختبئة في ركن ما من خزانة ملابسي الكبيرة

أكتب هذه الأفكار بعد أن قضيت بضع ثوان أتفقد حقيبة اليد الصغيرة الجديدة، فاتحة اللون، التي اشترتيها مؤخرا وأنا لا أجرؤ عادة على شراء أغراض كثيفة الاستعمال بهذا اللون

أبتسم. أبتسم ابتسامة هانئة راضية. هناك عادات ستبقى هناك، لكنها على الأقل لا تستغرق إلا بضع ثوانٍ. وكما توقعت، وكما قصدت ربما، وجدت أثري وأثر الأماكن على حقيبتي الجديدة، وفكرت أن لا بأس، فهذا يعني أنني أعيش وأتنفس وأحمل حقيبتي وأتحرك وأحتك بالعالم حولي بكل ما فيه من هواء وغبار، وهي أيضاً، تعيش رحلتها معي حتى حين

هذا بالطبع لا يعني أنني لم أعد أحب الأشياء نظيفة
أو مرتّبة

غير أنه لم تعد تزعجني الآثار التي تتركها الحياة عليّ أو على أشيائي
تلك الآثار التي لا يمكن تفاديها حقاً لكن يمكن الاحتفاء بها
أو على الأقل يمكنني تفادي بذل طاقة زائدة في الحزن عليها

السبت، أغسطس 09، 2014

ماذا تفعل الصبية؟

ماذا تشرب الصبية حين تعطش
غير الماء؟
غير العصائر المعلبة
أو تلك الطازجة
أو البيرة المثلجة؟


ماذا تشرب الصبية حين تتأمل
أو حين تبرد
غير الشاي بنكهاته؟
غير القهوة
غير النبيذ الأحمر
أو الويسكي؟


ماذا تشرب الصبية؟
ماذا تفعل بعد التمارين اليومية لترويض الذكريات؟
ماذا تفعل بالتوق نحو مذاق وحس جديد؟
ماذا تفعل حين تمل كل أنواع الشراب؟


تبلع الصبية ريقها المر
تبلع الصبية ريقها المر
تبلع الصبية ريقها المر
حتى يجف الحلق عن آخره
ويعود شرب الماء كاف بالغرض

الأحد، يوليو 20، 2014

مخّي


العامل الكادح دون راحة
البارع في تمارين اللولبيات
حبيبي
مفسد البهجات

الاثنين، يوليو 07، 2014

سحرٌ من نوع آخر

أذكر أن المرة الأولى التي وضعت فيها الكحل داخل عيني كانت منذ 12 سنة
كنت ذاهبةً لإحدى حفلات التخرج من الثانوية العامة في غزّة
الكحل جميلٌ في عيني
يسألني كثيرٌ من الأشخاص كيف أقوم بوضعه فيترك ظلاً أسود تحت العين
أسكت ثم أجيب: عيناي تفعلان ذلك بنفسهما
أسكت ثم أقول في نفسي: دمعة واحدة من كل عين كفيلة بالمهمة
هذا الصباح، وأنا أنظر في مرآة سيارة صديقتي، فكرت
الكحل في العينين جميلٌ 

الظل الأسود ملفتٌ
لكن
للكحل الزاحف على الخدين بعد الدمعة الأولى
سحرٌ غامر

الاثنين، يونيو 30، 2014

بالجًملة


سأدعي هذا الصباح أنني أمتلك بعض الحكمة

أنني ربّيت هذه الحكمة بالسفر وبترحال البيوت والقلب
وبالقسوة التي فُرضت عليّ
وتلك التي نصبّتها جلّاداً خلف ظهري
سأدّعي أن الأشياء، جميلة كانت أم قبيحة، لا تنتهي منّا فُرادى
الأشياء تنتهي بالجُملة - العلاقات، المدن، الذكريات، القصائد حتى
الأشياء تنتهي بالجُملة - اثنتين اثنتين على الأقل
فلا نُهزم تماما إلا بهزيمة ثانية على الأقل
ولا نرحل تماماً إلا برحيل ثانٍ على الأقل
ولا ننسى تماماً إلا بنسيان جديد محتوم وبداية مباغتة ربما

وأنا
في السباق الأخير أحرزت نهايتين
انتهيت من غضب قديم أثقلني وامتصّ روحي
وانتهيت من البحث عن البيت عند أي حبيب
وسأدّعي - بحسب الحكمة أعلاه-:
أن هناك نهاية جديدة تحدّق فيّ
لتكتمل دورة النهايات هذه
وتُحكِم العقدة استعداداً
لحتميّة شيء جديد

السبت، مايو 24، 2014

تصالُح

الصفحة الأخيرة في دفتري
وصوت غسالةٍ أوتوماتيكية في مرحلة العصر
وكوب الحليب الساخن اليومي منذ الطفولة
وصوت ورشة ميكانيكا مجاورة
ومرايا كثيرةٌ لا أرى فيها غير نصف رأسي
ورائحة شعري المتهالكة بين الليمون والدخان
أراقبهم
في النهار الجديد بعد العاصفة

هذا هو انقضاءُ الأمر إذن
هذه هي الدموعُ الساخنة
هذا هو الصدقُ والتصديق
هذا هو احتراقُ جميع المصابيح داخل نجفةٍ كبيرةٍ متفرعة
هذا هو الباب يقفل جيداً
الأسئلةُ، الأحاديثُ، الاستشاراتُ،
المغامراتُ، التجاربُ
هذه تتوقف أيضاً

والحاراتُ الضيقة، الطرقُ الفرعية تُسَدُّ
ومعها تتعطل الدرّاجاتُ النارية المناورة في القلب

هذا هو الكلامُ يغصّ،
يتنحى
ها هو الصمتُ يفترش المكان ليبقى

ها هو الصبرُ يقول:
جاء دوري
خُذيني وصدّقي فيّ

ها هو الصبحُ يُحركني
لأفتح أزرار قميصي وأقتلع الأشواك المغروزة أسفله،
واحدةً واحدةً
شوكةً كل يوم.

ها أنذا أتصالحُ
ألتقطُ صورةً لهلاكي كي
أذكره جيداً عند الامتحانات الصعبة القادمة
أتصالحُ مع أنها  لا بد ستأتي مجدداً
أضحك على مواساة الموت بـ:
"انشالله آخر الأحزان"

أشربُ الماء بكثرةٍ،
فتدريبُ الصبر معطشٌ

آكلُ على قدر حاجتي فقط
أمشي على قياس خطوتي فقط
أنامُ وأتركُ للصبح أمر صحوي

وأصحو بالفعل
وأتفاجئُ بالحياة
وأبتسم لأنني لا زلت واقفةً أحاول

الاثنين، أبريل 21، 2014

عن الصباح ٢

في السابعة صباحاً، يوم الجمعة الحزينة من سنة ٢٠١٤، المصادف ١٨ أبريل، صحوت.

لا بد أن الحياة استجابت أخيراً لنداءاتي، بت أستيقظ وحدي لألقى جلال الصباح. منذ ناديته علانية - تحديداً قبل يومين حين قلت له: أيها الصباح جئني بالمزيد - والصباح يجيئني في نفس الموعد مليئاً بالحياة.

فكرت حين صحوت اليوم، هل كان ندائي أوضح؟ أعلى هذه المرة؟ أم أن روحي غدت أخف قليلاً فصرت قادرة على تلبية نداء النور؟ لم أكن أعلم كم أن ألم الروح وأسرارها المكبوتة ثقلاء على الجسد. لم أتخيل أنني حين أنطق بحرية سأتخفف من طيف آخر، ليس طيفي، كان يسير ويطغى على مكنوناتي السحرية. لا بد أن كل هذا أثر في قدرتي على تحسس نسيم الصباح الأول والألم المحبب بانشقاق أجفاني ليجتاحني النور.

ناديت الصباح طويلاً، لكنه استجاب لي فقط عندما استجبت لطيفي أنا، لقلبي وجسدي، فالصباح لا يقبل الحب ولا العطايا من أي شخص لا يصمم أن يحب نفسه ويصدق حدسه. أذهلت نفسي، أذهلني. استدركت أن الصباح هو الحدس الأول، فكيف يتكشف لنا دون تصديقه؟




في السابعة صباحاً، يوم الجمعة الحزينة من سنة ٢٠١٤، المصادف ١٨ أبريل، صحوت .. لأنني صدقت صوتي، صدقت قلبي من جديد، تبعته نحو النور، نحو الكائنات، نحو الاكتشافات، نحو الوقوف برأس مرفوعة وواثقة من مغزى الحياة، نحو البدء من جديد.

القاهرة
الجمعة ١٨/ ٤/ ٢٠١٤م
مصر الجديدة

الأربعاء، أبريل 16، 2014

عن الصباح ١

الصباح، لإمرأة صباحية مثلي، هو أصعب الأوقات وأبهاها في آن
لحظات النهار الأولى تتسلل للروح دون ثرثرات اليوم، رائحة السيارات، اختناق المدينة واللقاءات غير المرغوبة
جدار القلب يترقق .. يخف، يشف ليتيح للصدق امتلاك المكان

***

الصباح، أشرس الأوقات وأرحمها في آن، يبدأ الأزمات وينهيها، يختبرني، يختبر قلبي، يمنحني فرصة يومية عليّ اقتطافها، يرتب لي الكلمات قبل أن تضيع في زحام اليوم، يخلقني
وهو لا يكون إلا باكراً لأتفتح عن كل ما هو حقيقي وجميل

أما الصباح الأصدق، الصباح الأجمل، فهو الذي أفتح عيني عليه دون منبهات، وبلا نداءات، بل أنهض مدفوعة برغبة للتعرف من البدء على هذا الكون. أنهض فيه لأعيش البدايات الجديدة

الصباح هو البدايات الجديدة، وأنا ابنة هذا الصباح ..

القاهرة
الأربعاء ١٦/ ٤/ ٢٠١٤م