عبور

عبور
الصورة لسارة بينيو
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حب. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، فبراير 26، 2018

الكلمة المستعصية على النطق

نشر النص في مجلة رمّان الثقافية بتاريخ 06 فبراير 2018
 

استيقظتْ أخيرًا بعد تكاسل ساعتين، على السرير الذي بات لها وحدها الآن، والملاءة الصفراء التي طالما تشرّبت بعرقهما. فتحت عينيها وتسارعت دقّات قلبها لبدء يومٍ جديد. عدّلت وضعية استلقائها، رفعت رجلاً فوق رجل، القدم اليمنى استقرت على الركبة اليسرى. من هنا، كانت ترى كل شيءٍ مرتين، مرةً أمامها ومرة في المرآة الكبيرة على الحائط مقابل السرير. في قدمها اليمنى خلخالٌ بسيط؛ خيطٌ واحدٌ لا رفيع ولا سميك من الفضّة الغامقة، ومربّعٌ صغيرٌ يتدلى بعبارة "امسك الخشب".

في هدوءٍ استلقت تتابع دقّات قلبها، يدهشها دومًا كيف يفور الدم في عروقها لحظة أن تفتح عينيها. تقارنه بمولودٍ حديثٍ تأذنُ الحياة لرئتيه بالعمل فور خروجه من الرحم. وهي من رحم النوم، الموت المؤقت والأحلام، تخرج كلّ صباحٍ جاهزةً لأنفاسٍ جديدة.

كعبُها هناك آخر الخلخال. كعبها المتعب من مشي الصيف الطويل في بلدٍ غريب. كعبها الذي أخبرها عشاقها السابقون جميعًا بأنه ناعمٌ كخدٍّ حنون، لم يعدْ من السفر الأخير سالمًا؛ خدوشُ الطريق، خشونة القلب، وثقل جسدٍ مُضنى بالجراح والأفكار.

كانت ترى كل شيءٍ مرتين. وقف خلفها أمام هذه المرآة مراتٍ كثيرة. في أحيانٍ احتضنها. وفي أحيان، ترك قبلةً على بطنها أو علّق على نقصان وزنها أو اختال بجسده المشدود وصدره الواسع. وفي أحيانٍ، كانت ذراعاه على خصرها، يثبّت وقفتها، صدره المتعرق يبلّل ظهرها، يراقب وجهها، تموء وتتلوّى لما يفعله بها. يتعاقب عليها بتصميم، وهي تلفّ وجهها بكل ما تستطيع من مرونة لتخطف قبلة حيوان هائج. كانت ترى كل شيءٍ مرتين، لكنها تشكّ الآن في ما رأته. هل حدث ذلك أمام مرآةٍ أخرى؟

تتحسس الملاءة الصفراء. تستثيرها نسائم الخريف، هي التي قررت منذ مدّة التخلي عن الملابس الداخلية أثناء النوم. جسدها بحاجةٍ لأنفاس جديدة كل يوم أيضًا. تتحسّس الملاءة الصفراء وتضيق أنفاسها شيئًا فشيئًا. صور قبيحة ترسلها المرآة إليها الآن، تخطر على بالها كلمةٌ واحدةٌ لا أكثر ولا أقل، تفكّر فيها ولا تنطقها أو تكتبها.

لأشهرٍ كان هذا أول ما تفكّر به كل صباح. تسأل نفسها عن الكلمة، وتستعجب لأنها لا تجد تعبيرًا آخر عنوانًا لحكايتها. الأصوات الساكنة في الرأس تتجادل. تتفلسف. تتقارع لتحلّل معنى الكلمة، درجاتها، إمكاناتها، ومدى مناسبتها أو مطابقتها لما حدث، لما تشعر به. لكنها وهي تلتقط أنفاسها الضيقة تدرك أنها على حق.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة التي ضاجعته فيها بكلّ ما أوتيت من غضبٍ وحزنٍ وذهول، وعلى نفس الملاءة الصفراء. بكل ما حملته من غريزة الحيوان امتطته وتركت له جسدها ليمتطيها. عضّت شفتيه وغرزت أظافرها في جلده، صرخت حين ولجها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ قد مرّت على وجودهما معًا.

تركّز هي في التواريخ والذكريات، وفي الكلمات. تتمنى أحيانًا لو أنها لا تذكر، لو أنها حقًا تنسى أعياد الميلاد وتواريخ المحادثات والزيارات والقبلات المسروقة والمواجهات البائسة؛ تحملها حجرًا ثقيلًا على صدرها. تتمنى حقًا لو أنها تفقدُ تلك الكلمات التي صادفتها يومًا. كلماتٌ كثيرة، كلماتٌ يومية، كلماتٌ بخط اليد، كلماتٌ من نرجسيةٍ صافية تروي تفاصيل خدعة كبيرة. الكلمات تصنع جملًا، والجمل تنحفر على عدستي عينها، وتحملها كحائط صدّ ضد كل محاولات النسيان.

كان هو يذكر أيضًا. كان يذكر ما يريد، ولا يحتفظ بالذكرى لنفسه. كان يذكر، ويفرض الذكرى عليها. يعيدها مربعاتٍ إلى الوراء. عليها أن تذكر. عليها أن تظلّ هنا أمام مرآتي المفضّلة ريثما أخرج في رحلات صيدي الطويلة ثم أعود نظيفًا كأن ما جرى شيء.

تسترجع تلك الليلة بوضوح في ذاكرتها الآمنة الآن، لم يعد هناك ليُقحم ذكراه عليها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ مرّت على وجودهما معًا. كان يَلجها وكانت تذوب في الذكرى كحضنٍ أخير قبل وداع مهاجرٍ لن يعود. كان يَلجها، وكانت تكرّ الأيام في رأسها. كرّت المرّات الساحرات، الرسائل والهدايا، تجاربها لقمصان النوم الخليعة، زوايا البيت جميعها التي عرفت رائحة الشهوة بينهما. كان يَلجها وكانت تدمع إلى أن انتهى داخلها.

كانت تحبّه، تفكّر اليوم وهي تتحسس تلك الملاءة. كانت تحبّه، وكان يصيبها بالذهول مرّةً بعد مرّةً. كانت تحبّه فتكلّمت بهدوءٍ مدروس. كتبت ما ستقوله في اليومين السابقين. تمرّنت أمام المرآة طويلاً لكي لا تضلّ الطريق.

كان مرتاحاً بعد لهاثٍ على الوسادة. الضوء أصفر خافت، رأسها بمحاذاة رأسه، عيناها تحدقان فيه، يدها ترتاح على بطنه الحبيب، وقطرات العرق تنحدر منهما، بنفس البطء، على الأصفر الممتد تحتهما.

كانت تحبّه فتكلمت بحذر، وكان شاخصًا ومذنبًا فاعتذر. لم تنطق الكلمة حينها. سمّت ما حدث كلّ اسمٍ ممكن عدا تلك الكلمة. أبقتها بعيدةً عن لسانها، قلبها، دموعها، وسريرها، لتبقى هي ويبقى هو. كانت كلمةً واحدةً فقط، لكنها أدركت أن النطق بها سيغير كلّ شيء فصمتت. تلقّت اعتذاره بالدموع. تلقت وعده بالأمل. تلقت قبلاته وولوجه مرّةً أخرى بالسماح. كانت تحبّه فصدقت بالحب أكثر مما صدّقت نفسها. صمتت.

صمتت هي وحاولت معه من جديد. وصمت هو ليحتفظ بصورتهما أمام المرآة أطول وقتٍ ممكن. صمت عن الكلمات المكتوبة فقط. لم يكترث حقًا، كما لم تكترث هي، لقلبها. ولمراتٍ ومراتٍ بعدها، ظلّ يغادر ويعود، ويغادر ويعود، مورّمًا شفتيه بشفتيها، معريًا صدره الواسع المكتنز بالأكاذيب.

الشمس تستوي في السماء خارج نافذتها، والريحانة تطلّ من نفس النافذة عليها، تطلب الماء والعناية، وهي ما تزال تحدّق في المرآة. تنظر للخلخال. تتبع الظاهر من جلدها. القدمان فالساقان فالفخذان. تتخيل الباقي تحت قميص النوم البنفسجي حتى رأس صدرها. وحدها في السرير هذه المرّة. على نفس الملاءة، امرأةٌ أخرى الآن، دون دموع ودون خوف ودون صمت. تتنفس فقط وتفكّر.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة، ومرت الليالي ليلةً ليلةً على كل ما تلاها. هي الآن بعيدة، تتمدّد في الصباح، وتكتب قصّتها دون حذر. تشعر بالصّدق يملؤها، والتصديق بقلبها شفاؤها.

تكتب قصتها باختصار. لا تحتاج لدلائل أو براهين وقلبها موجود. لا تحتاج للإقناع لتحكي ما عاشته. لن تكفي أية تفاصيل لشرح ما حدث.

تكتب قصّتها بهدوءٍ ورضا. تسميها "خيانة". وتدرك أنها تصنع النهاية اللائقة بكلّ ما حملته من حبّ وكلّ ما أضاعه من أمل.

الأربعاء، فبراير 15، 2017

اللارسالة الأولى - من أرشيف الرسائل


إلى رشا حلوة - ٩ أكتوبر ٢٠١١


الصفحة بيضاء.
أجل.. مضى عام أو أكثر ولا تزال هذه الصفحة بيضاء.


في كل مرة أشغل فيها اللابتوب البنفسجي.. وأقفز بحماسة إلى صفحة وورد أسكب فيها تفاصيل المساء أو بقايا ذكريات، تنسحب الكلمات برفق ودون سابق إنذار وتتركني إلى تثاؤب محتد أو رغبة شديد بالبكاء.. وتمضي.


هذا اللابتوب الصغير والخفيف الوزن اللي أهديته لنفسي في ديسمبر الماضي تنبؤاً بسفرٍ مستمر قد غدر بي أكثر من مرة.. وتآمر مع هذا البياض عليّ.. وكأن وقت الكتابة ينتهي كلما راودتني فكرة تستحق أن تقتل فراغ الصفحات.


اه يا صديقتي الجديدة.. طلبتِ أن أكتب لك رسالة، وهائنذا أستدعي الكلمات على مهلٍ.. أخادعها.. أعدها بمقابل كبير إن هي طاوعتني وسهّلت عليّ مهمتي. فمهمتي هذه صعبة يا حلوة. مهمتي أجهضتها الأوجاع أكثر من مرة، واستوقفها تشتت الزمان والمكان واللغة، ومن ثم أثقلها هول ما رأيت. وعلى سيرة "هول ما رأيت" تستحضرني الآن للمرة المليون الجملة الغنائية من كورال الأمثال الشعبية "الشيء إن زاد عن حده يتقلب ضده"، هي تختصر المنطق الذي يعمل به قلمي أو مؤشر الكتابة الإلكتروني، فهما يصابان بشلل طويل الأمد كلما اكتنزت أنا بالأفكار والأحداث والذكريات، وربما بشللهما هذا هما يطالبانني بغربلة عاجلة ودقيقة وحاسمة لما يعتمل داخلي، يطالبانني بأن أطلق سراح بعض المشاعر لتذهب في سبيلها بعيداً عني، لتتركني بحمل معقول يستطيعان هما استلامه عني والنزول به على هذه الصفحة البيضاء.

تمضي الأيام وأنا مشلولة. أحاول أحاول. أكتب سطراً وأعد نفسي بأن أرجع في الصباح الباكر لأدلي بشهادتي على أي شيء. على الأخبار السوداء التي تأتي كل ساعة. على شيكاغو الجميلة. عن ساقاي اللتان لا متعة لهما سوى الرقص. على علاقة حميمة سريعة مررت بها. أو. أو شهادتي على صورتي في المرآة والخطوط التي بدأت ترتسم ببطء وأناقة مبالغة تحت عينيَ.

منذ أكثر من عام وأنا أجرب أن أكمل الفكرة. أن أكمل الفقرة. أن أكمل السطر الأول. أن أفهم الكلمة. لكنني كلما جربت أن أكتب دخلت في تنويم مغناطيسي كذلك اللي جربته مرة في دبي. الكلمات ترتسم فجأة على شكل دهاليز وهي إما لا تقود لشيء أو أنها تقود لكل شيء: فقط، فقط لو أنني أجد الطريق.

هذه ليست رسالة. هذه شهادة على حالة العبث التي أمر بها منذ أكثر من عام. وربما، بل على الأرجح منذ انزلقت بفرح مؤجل من رحم أمي الحالمة. حالة العبث هذه تغير أبعاد الأشياء: رائحة الحب، الألوان، مذاق القهوة في الصباح الباكر، ووقع الموسيقى.. كلها تصبح أبعد بخطوة أو خطوتين، أو ربما أبعد بسنة ضوئية، أو كون بأكمله.

هذه أولى رسائلي لك يا حلوة. حاولت هذه الصفحة البيضاء، حاولتها لأجلك مرة أخرى، وسأحاول من جديد حتى تقرأي مني رسالة حقيقية. اعذري هذا الحزن ورسالة ملتبسة غير متعددة الوسائط، واستمعي جيداً للموسيقى الصامتة التي أرفقها هنا، هي تحكي الكثير.. الكثير.

الشوق
فرح

الثلاثاء، فبراير 07، 2017

تذكرة لمن يظنّ أن الحب خالٍ من الأنانية/الذاتية


"الحب في جزء كبير منه أناني أو ذاتي بمعنى أدق وفي جزء كبير منه عطاء، لما واحد يكون بيصطفي لنفسه حب من حد تاني وبيمنح نفسه الحق إنه يدوب بهالحب وينتظر منه راحة وأمان وبناء ما، ما بيعمل هيك وبس، بيعمل هيك مع الشخص اللي حاسس إنه حينفع معاه هالشي. والأمر فيه حسابات ذاتية جدا، سواء في البدء أو في الانتهاء. وفي جزء من الذاتية هاي ممكن يكمل لما بعد العلاقة.

وفي نفس الوقت التعلق شيء جميل جميل جميل، بس موجع جداً، وعميق ضارب في جذور الروح. إنك تخزن ذكريات مع حد، تقطرها وتحفظها وتكبرها وترجعلها حضن ودفا وفهم وارتياح.

وفي الافتكاك من التعلق في طلوع روح من جسد، في وداع وفي احتمالات صعبة، في إعلان بإن الذكريات هاي مش حتكون الأهم، والحب هاد احتمال ميكونش الأهم، والحضن هاد مش حيكون الحضن. وإنك حتطلع من بعيد، من الضفة التانية لنهر العلاقة وتقول ياه وتبتسم بس تكمل في حياتك واختياراتك الجديدة."

مقاطع من رسالة كُتبت ولم تُرسل
٦ ديسمبر ٢٠١٦

الجمعة، أكتوبر 14، 2016

بلوز

نشرت على موقع رمّان - بوابة اللاجئين الفلسطينيين بتاريخ 14 أكتوبر 2016

في حديقةٍ عامة
في المدينة البعيدة
أجلس على العشب الأخضر

السنونو،
في سماءٍ تخلو من الآلام والشوائب
يحلّق فوقي
يلقي بظلّه عليّ

الحرارة تغري بالتصاق جسدين

وسط الحديقة أجلس
وسط أشخاص كُثُر
أزواجٌ
وأحباء
عجائزٌ
نساءٌ حوامل
وأطفالٌ عابثون

أستمع لموسيقى البلوز
وأراقب زرقة قلبي

الناس من حولي
يرقصون
يشربون البيرة
ويدخنون لفائف
بنكهاتٍ شتى
وأنا..

أفكّر بالبطاقة البريدية الأولى
التي لن أرسلها لك
وأفكّر - وسط الجمال -
بكل البلاد البعيدة التي
لن أزورها معك
وكل الموسيقى
والأفلام
والحدائق العامة
التي سأجلس فيها مع كل الناس
إلّاك

أفكّر كيف الأيام
تغدو خفيفةً
شيئاً فشيئاً
وكيف أني سأختبر الحياة التي
خبّرتك عنها مراراً
وكتبت عنها مراراً
كيف سأختبرها
بهدوءٍ
وحبٍ
وألقٍ
مع أحدٍ غيرك