عبور

عبور
الصورة لسارة بينيو

الخميس، أكتوبر 29، 2020

كيف ننجو بكل تلك الصباحات؟

نُشرت هذه المادة على موقع جيم بتاريخ 20 نوفمبر 2019



الصباح تربةٌ صالحةٌ لكل شيء. قد ينبت فيه زهر يومنا. قد نكتب أو نطبخ أو نغتسل أو نمارس الحب أو نخرج لأعمالٍ ننجزها. وقد نمنحه لنوبة القلق الصباحي، للخوف الذي يُربّي بداخلنا هوسًا بالمثاليّة.

لسنوات استيقظت كل يوم عاجزةً عن فهم أي شيء. كأنني هبطت على كوكبٍ جديد، كنت أحدق لدقائق في سقف الغرفة، أتأكد إن كان هناك من يشاركني السرير أو إن كنت وحدي، أتذكر الأشياء واحدة واحدة، ومع التذكر كان القلق والخوف يتسللان لقلبي رويدًا رويدًا.

"المثالية" تجعل توقعاتنا من اليوم خياليةً جدًا. ترمي أمامنا جميع ما نريد أن ننجزه هذه السنة وتعطينا يومًا واحدًا كأنه آخر الأيام. كثيرًا ما أقع في براثنها. يصيبني الشلل حين أذكر كم التفاصيل المطلوبة والخطوات المرتقبة والتواريخ والأشخاص المفترض التواصل معهم.

لا تحب الروتين. المثالية تكره الأشياء البسيطة والخطوات الصغيرة. لا تحب الاستقرار على أي شي، وموهومةٌ جدًا بالإنجازات الضخمة. تترك كل المعطيات الموجودة، وتقفز إلى جحر المجهول، منتظرةً تفاصيل جديدة معقدة مخيفة، ثم تتركني مع هذا المجهول مشلولةً أفكر بالآتي، منشغلةً عمّا هو حاضر وأمامي بالفعل.

ولتنجح في إحكام قبضتها، تزورني المثالية مع شلّة من الأصدقاء: الخوف من الفشل، والقلق المصاحب لعدم امتلاك اليقين، وصوتٌ خافتٌ في الداخل ينتهز كل فرصةٍ تتعب فيها اللاعبة أو المحاربة فيّ فينقض عليها بالضربة القاضية، جملةٌ تتردد تلقائياً "لست جيدةً بما فيه الكفاية".

في شيكاغو، منذ 10 سنوات، كنت أدرس للحصول على درجة الماجستير، وكانت نوبات الصباح تزورني بشكل متكرر. أسئلتي حول الخطوات القادمة في حياتي سيطرت عليّ، وفشلي في أهم علاقة عشتها حتى ذلك الحين ملأني بالشكوك حول أهليّتي للحب والعلاقات. لكن ما زاد هذه الأسئلة حدّة وقسوةً كان في الحقيقة قلقي اليومي من المواد والواجبات الدراسية ونزعتي نحو إنهاء هذا الفصل من حياتي بشكل مثالي ودون أن أقع. كلما واجهت تحديًا صعبًا، بادرتني مثاليتي بمزيد من التردد الذي يثقل الكاهل. كان الارتباك والثقل يزورانني بشكل مكثف في الصباح، يملآنني بالتساؤلات ويضخمّان ما ينتظرني في اليوم، وكأن مصير حياتي متوقف على ما سأفعله فور قفزي من السرير.

في واحدةٍ من مراتٍ كثر، استيقظت صبيحة عطلة نهاية الأسبوع لأعدّ ورقة لمادّة سياسات الأسرة والطفل. كان المطلوب اقتراح تعديل لإحدى السياسات، على ألاّ نتجاوز خمس صفحات عند التحرير مع مراعاة وجود مسافةٍ مضاعفةٍ بين الأسطر. أما ما طُلب مني من قبل شلّة الأصدقاء المشاغبين المستوطنين رأسي كان الإجابة عن عدّة أسئلةٍ قبل أن أنهض من السرير: "من أنا لأنظّر في موضوع الأسرة والطفل؟"، "لا بد أن أقرأ جيّدا عن الموضوع وأدبيّاته قبل أن أجرب الكتابة، لكن الوقت لا يكفي"، "هل سأعمل في هذا المجال لاحقاً؟ لا، سأفشل حتما لأنني لم أقرأ كل شيء، من أنا لأنافس الآخرين"، "لكن، لماذا سجّلت في المادّة من الأصل إن كنت لن أمارسها لاحقا! ها أنذا من جديد أضيع وقتي في شيءٍ لن أكمل فيه"، "وحتى وإن أحببت هذا المجال وأردت العمل فيه، أين سأجد وظيفةً مناسبة حين أعود؟ أين سأسكن حين أعود؟ حبيبي لم يعد موجودًا! لا يوجد لدي بيت ولا أحدٌ ما بانتظاري!".

أصواتٌ كثيرةٌ عالقةٌ في رأسي، لازمات سجّلتها ذاكرتي من أمي وأبي ومعلمّات وأصدقاء وزملاء عمل، تنزل علي بأسئلة كثيرة كل مرة، قبل البدء وقبل التجريب. قفزٌ بالأفكار لعشر خطواتٍ للأمام قبل وضع القدم عند نقطة البداية، ثم توهانٌ في سراديب عميقة في الداخل، سراديب مظلمة وباردة، ذكريات، لعنات على أسلوب التربية، امتعاض من الوحدة، الأمر الذي ينتهي في حالتي ببكائية مطوّلة أفترس فيها نفسي وأسلخ جلدي بسوطٍ متقن الصنع، أنخفض إلى أسفل، أرى حطامي متفحمًا ثم أصعد من جديد بعد أن أنال القسط الكافي من اللوم والعقاب، وأنجز المطلوب بدقة عالية نعم لكن بنفسٍ منكسرة ودون أي نكهة للإنجاز. في كل مرّة، أكره نفسي حتى النخاع، ثم أرضى عنها بعض الشيء عندما تنتهي "الأزمة"، لكنني لم أحبّها مرّة واحدة حتى نصف مسافة الكراهية.

فكيف ننجو بكل تلك الصباحات؟ أو كيف نحاول على الأقل؟

قد توافقني من عاشت لسنوات مع نوبات القلق الصباحي، بأننا لا نستطيع الجزم بأنها لن تعود مرة أخرى. تظلّ تعود، لأسباب مختلفة أو متشابهة كل مرة، لكننا مع السنوات والتجارب والعلاج النفسي أحيانًا نتدرّب تدريجيًا على التقاط بوادرها أسرع فأسرع، ونصبح أكثر قدرة على التعامل معها لتتركنا في سلام. بل في سلامٍ مؤقت. لأنها ومجددًا قد تعود، وقد تتخفى في أثوابٍ جديدة أشد حدّة أو أصعب تفكيكًا، مما يتطلّب منا تغيير استراتيجيّتنا في التعامل معها والتفكير فيها كل مرة.

أما الدرس الأهم الذي تتعلّمه كلّ من تقرّر السير في رحلة النجاة من الخوف والقلق، فهو أن نقبل بالعيش معهما بدلاً من الاستماتة للتخلص منهما. نقبل بأن نعيش معهما كما نعيش مع آبائنا وأمهاتنا. نشير إليهما ونقدّر وجودهما بدل أن نغمض أعيننا، ومع قبولنا هذا نقبل أنفسنا شيئًا فشيئًا، ونقبل هفواتنا وسقطاتنا وضعفنا، ومعه نخلق بروتوكولات متعددة - كالتي نخلقها لنستمر في مجتمعنا الضيق والواسع والذكوري - للتعامل مع المحن النفسية التي سنمر بها على اختلاف أنواعها. ومع هذا العيش، ربما ينبثق رويدًا رويدًا بعض الحب.

لا توجد وصفةٌ سحرية للنجاة، ولا توجد خطواتٌ ذهبية، ولا توجد طريقةٌ صحيحة، كلٌّ تحاول ويحاول بقدر ما يستطيع، لكن نقطة البداية واحدة لا شك: الرغبة في المحاولة والإقدام عليها.

بالتجربة ومع الملل من جلد الذات المستمر، تعلّمت أن أتخيّل النَفْس طفلة صغيرة تستكشف عالمها الجديد، لا تتعلّم كل الأشياء مرة واحدة، ولا تنجح فيها بالضرورة من أول مرة، لذلك تحاول من جديد. هذه الطفلة تحب درجةً معينةً من الروتين، كأن تشاهد مرارًا وتكرارًا فيلم كرتون محدد وتطلق الضحكات من جديد كأنها أول مرة، كأن تسأل أمّها نفس الأسئلة، وتكرر الكلمة الجديدة التي تعلّمتها حتى تصبح جزءً من لغتها، كأن تحب اللعب بكل الأشياء حتى أدوات المطبخ والنظافة والأغراض المتفرقة التي ننساها في زوايا البيت.

ولأنجو بالصباحات من شلل القلق والمثالية، بدأت أتعلّم كيف أتعامل مع هذه الطفلة وكيف أربّيها. حين أفتح عيني صباحًا، أتخيلها استيقظت للتو، لذا كان عليّ أن أختار لعبةً أو حركةً ترافقني طويلاً فتصبح جزءًا مني وقد تساعدنا ذلك اليوم فقط على اجتياز المحنة.

المثالية والقلق يكرهان الروتين، فلنعطهما بعضا مما يكرهان. لننكّد عليهما!

قبل أن أستمر، علينا أن نتصالح مع كلمة روتين، تحديدًا أولئك منا من يعتقدون أنه يساوي الملل والتكرار العبثي الخالي من المعنى. الروتين هنا هو لب الممارسة، هو الوقوع والوقوف من جديد، هو الانتظام، هو النهوض من السرير بدل التكوّر تحت الملاءات بخوف.

ولأستطيع صناعة هذا الروتين أو إيجاده، كان عليّ مراقبة الأشياء لفترة، وتسجيل ملاحظاتي ومشاعري. كنت أبحث عن شيءٍ أستطيع احتماله ويستطيع احتمالي، أو كما قرأت مقولة شاركتها صديقتي للملحن والمنظّر الموسيقي والكاتب والفنان الأمريكي جون كيج: "فلتجدي مكانًا يطمئن له قلبك، ثم حاولي أن تثقي بذلك المكان لفترة من الزمن" (أنّثت ترجمة المقولة عن قصد، لأنني أتخيّلها تخاطبني).


مع الوقت والمراقبة، غدوت أعرف أن طمأنينتي في الصباح تزداد معظم الأحيان حين:

أستيقظ مبكرًا وفي وقتٍ منتظم، قبل أن يستيقظ القلق متمثلاً بالأشخاص والرسائل والمكالمات وأصوات السيارات وغيرها. الاستيقاظ مبكرا وافتراش مساحتي الخاصة بشروطي.

أغلق هاتفي قبل النوم، أو أخرسه وأعطّل استقبال البيانات عليه لأختفي حقًا عن العالم أثناء النوم فأستيقظ بمساحة بيضاء نوعًا ما.

أعدّ بنفسي فطورًا صحيًا خفيفًا (أخف وأفضل فطورٍ وصلت له بعد تجربة هو أن أقطّع فاكهة وأخلطها مع الزبادي والشوفان وما توفّر من مكسرات نيئة).

أتحرّك، على الأقل الجمعة صباحًا من كل أسبوع أذهب إلى حصّة اليوغا. وحده السفر قد يغيّبني. ثم أقوم بحركات "تحيّة الشمس" في المنزل في أيام متفرقةٍ من الأسبوع.

أتنفّس جيدًا، فأبتعد بقدر الممكن عن حلقات التدخين وأماكنه، وأتعلّم من اليوغا كيف أتنفس بشكلٍ أفضل. 


ومؤخرًا فقط، اقتنعت حقًا بمعنى "التأمل" ومعنى ممارسته، أحيانًا لخمس دقائق، أحيانًا عشر، وأحيانًا أكثر. وأثناء التأمل، تقريبًا في منتصف المدّة، أركّز على التأمل في السعادة والتعاطف مع النفس ومع الآخر، حتى الآخر الذي يؤلمني. حين أتأمل كيف أن الآخر أو الأخرى إنسانة، أتذكر كوني إنسانة، وأسامحني، وأسامحهمن.

إلى جانب ذلك، تزداد الطمأنينة أضعافًا حين أتأكّد من أن أحضّر لليوم التالي مسبقًا، حين أباغت القلق قبل أن يباغتني. أحدّد مهام اليوم التالي، فقط اليوم التالي، ولا أجعلها تزيد عن ثلاث مهام وأعطي كل مهمة ضعف ما تحتاجه من الوقت. وبهذا، كلما زارني الصوت الأحمق ليهدّدني ويخوّفني ويذكرني بكل ما علي من مهام ومؤجلات، أتبسّم له بهدوء وأقول: "أعرف هذا كله، وقد وضعته في الحسبان، شكرا على التذكير"، أفتح قائمة المهام ليراها الأحمق بنفسه إن تطلب الأمر، ثم أصنع شايًا ساخنًا، وأعود لمهامي.

وفي حال كنتِ أو كنتَ مثلي، ممن تتكالب عليه أنواع القلق والمخاوف المختلفة في الصباح لشهورٍ أو سنوات، هناك كنزي الثمين: "صفحات الصباح".

في نفس الوقت الذي درست فيه في شيكاغو، نصحتني المعالجة النفسية التي ترددت عليها بقراءة كتاب "طريق الفنانة The Artist’s Way" لمؤلفته جوليا كاميرون (أنّثت العنوان أيضًا). أعطتني نسختها لأتصفحها حتى أقرر إن كنت أشتري نسخة لنفسي. ظل الكتاب عندي لأيام، بل أسابيع، ولم أفتحه. خفت من حجمه ومن كم المجهود الذي علي أن أبذله لأصبح "طبيعية" أو لأعود "لطبيعتي". لم أكن أعلم حقًا ما هي طبيعتي، من هي أنا، غير أنني لم أحب ما كنت عليه وتخيلت دومًا أنني كنت في مكان آخر قبل الوصول هناك. لم أكن جاهزة حينها لتقبل ما كنت عليه بتلك البساطة، ولم أكن جاهزة لأتعلم كيف أتعامل "معي" بكل ما يجعلني من أكون.

بعد أسابيع، استجمعت شجاعتي وفتحت الكتاب. قرأت المقدمة وقرأت عن الأدوات الأساسية التي ترشحها المؤلفة لمن تريد أن تخوض رحلة جديدة لمزيد من الإبداع في حياتها، ليس بالضرورة الإبداع الفني، لكن الإبداع في تعاملها مع معطيات حياتها ورغباتها وشغفها. وهناك، في البدء جدًا، ضمن الوسائل الأساسية التي تقترحها الكاتبة لمشوار إعادة استكشاف المبدعة داخلك، تعرّفت على "صفحات الصباح"، صديقتي التي سترافقني بعدها لسنوات.

استيقظي من نومك، أسند ظهرك ومدي يدك إلى الرف بجانبك، افتح الدفتر، أمسكي القلم، وابدأوا بالكتابة بيدكم لثلاث صفحات عن كل ما يجول في خاطركم. وبانتهاء الصفحة الثالثة أغلقوا الدفتر، ضعوه جانبًا، وابدأوا اليوم.

أمّا عمّا تمنحه "صفحات الصباح" بدورها، فهو الصدر الواسع، الفراغ التام الذي ستملأون به كل هواجسكم وأحلامكم وأفكاركم الرائعة وتلك القذرة، المسبات واللعنات، والبكاء المكتوم، والشعر أيضًا، والرسائل والعتاب، وحتى الرسم والتخطيط والأفكار بشتى أنواعها سواء كانت عن الحياة أو العمل.

تسميها كاميرون أيضًا صفحات "تصفية الدماغ"، فليس هناك طريقة خاطئة لكتابة صفحات الصباح، وليست مساحةّ للتذاكي أو التنظير، قد تكون بعض الأفكار فيها ذكية، لكن أغلبها لن تكون كذلك. لن يحكم عليك أحد ولن تتنافس بمحتواها مع ما يحترق في رؤوس الآخرين. في الحقيقة، صفحات الصباح سرية، تخصك وحدك، اكتبي بها ما شئت، وإن استطعت فتفادي أن تقرئي ما بداخلها أنت أيضًا على الأقل في الفترة الأولى. فقط اكتبي ثلاث صفحات اليوم، ضعيها في مغلف بعيد أو اقلب الصفحات للخلف دون استعادتها، واكتب ثلاث صفحات في الغد.

الطلب الوحيد لدى صفحات الصباح هو أن تبدئيها فور أن تفتحي عينيك، ابدأ بالكتابة في سريرك أو انهضي لتكتبي في أي زاوية تروقك. فقط حاولوا البدء بها، إن أمكن، قبل الاستغراق في إدمان الهاتف، قبل الفطور، وقبل أي حديث مع أي شخص في المحيط. لكن حتى وإن اعترضكم أحدهمن، أمسكوا الدفتر في أيديكمن ولا تتركوه حتى تكتبوا سطرًا واحدًا على الأقل. ولو كان سطرًا يقول: "مش عارفة شو أكتب، مش عارفة شو أكتب، مش عارفة شو أكتب، عنجد مش عارفة شو أكتب، مش…".

ما تعطينا إياه تلك الصفحات هو الحرية وفرصة التدريب على الشجاعة. أن نسكب فيها كل ما لدينا من أوجاع وهموم وقلق واحتقانات وجودية وعملية تقف بيننا وبين أن نكمل أيامنا وأرجلنا أكثر ثباتًا على الأرض. فلا تتوقعي صفحات مليئة بالأمل والتفاؤل والامتنان، بل توقعيها أن تكون مثل حالك حين تستيقظين معظم الأيام: مرتبكةً، حزينةً، غاضبةً، متألمةً، مريضةً، منتظرةً، قصيرة الأنفاس، مشتتة، وربما تكون يومًا ما سعيدة، متشوقة، مرحة. الأهم من هذا كله، أن تكتبيها، وأن تثقي يومًا بعد يوم، حين تمسكي قلمك وتنهالين عليها بما يجول في مخك، بأنك تفرغين الكثير مما يتربص بك من خوف وأصوات قاسية كانت لترافقك طيلة النهار بلا رحمة.

شيئًا فشيئًا ستتسلل صفحات الصباح إلى عالمك بدلاً من نوبات الصباح، كلما أعطيتها ستعطيك. شيئًا فشيئًا ستتحول إلى محترفك الذي ستناقش فيه بعض أفكارك، ستخططين يومك ربما، ستحلل مشكلة تؤرقك، ستنظرين لأطروحتك الدراسية، ستفهم مرة بعد مرة لماذا لم تنجح محاولاتك في العلاقة التي تؤلمك، أو ستكتبين الشعر مثلي أحيانًا، أو تصلي إلى شخصيات مسرحيتك الجديدة كما وصلت إليها كاميرون بعد شهور من الاستيقاظ كل يوم والانهيار على صفحات بيضاء.

***

أما الآن، ففي الصباح الباكر، وقبل أن أنتهي من كتابة هذا النص، سأعترف بأني أقع كثيرًا كثيرًا، أنسى كل ما قلته في الأعلى في مراتٍ كثيرة، أتكعبل وأتكوّر وأتأفف. في الحقيقة، وأنا أكتب الآن، أبتسم لأنني كنت في أدنى هاوية منذ شهرين بالضبط، ولأنني نسيت تمامًا كل ما يمكنني أن أفعله لأخرج من الهاوية، ثم عادت ذاكرتي شيئًا فشيئًا، وبدأت قصة حب جديدة مع نفسي من جديد، ووصفة الطمأنينة التي تناسبني.

ولهذا، أكتب ما تقرأونه. أكتبه لأحرر نفسي من عبئه وحدي ولأبحث عن من يشاركني هذا العبء. فهذا النص هو وليد للوقوع والوقوف من جديد، وليد للمحاولة اليومية بأن أكتب. أصعب الأفعال على قلبي، وأجملها، وأكثرها ألمًا. هذا النص بمثابة وخزة لي، ولمن نسيت اليوم أن تحاول، لمن نسي أن في بعض الحكم القديمة خلاص. أريد، ولو لم أنجح كل يوم، أريد النجاة بصباحاتي، بأول حب للحياة كل يوم في هذه الحياة.

الجمعة، سبتمبر 11، 2020

على هامش محاولة تواطؤ

نُشرت هذه المادة على مكتبة مُفردات بتاريخ 9 يونيو 2020



توطئة

كتبت هذا النص منذ ما يقرب من سنةٍ اليوم. كنا في زمنٍ آخر ومكانٍ آخر. النص، كما التجربة التي يحكي عنها، يتساءلان عن المستقبل. هل نحن في ذلك المستقبل؟ أم نحن في الطريق إليه؟ يحكي النص في زمنه المكتوب عن الراحة والتعب، عن الشعور بالوحدة والاستحقاق والتضامن داخل الوسط المعاصر للفن والثقافة. يتساءل عن العناية الفردية والجمعيّة. أسئلةٌ حطّت علينا فرادى وجماعاتٍ وكوكبًا بأكمله، وما نزال ندور بين رحاها، ونستطعم بعض الإجابات. ربما.

لم يُنشر النص في سنة كتابته، أو بالأحرى لم أسعَ لنشره حينها، انتظرت سنةً، أشبه بما يبدو عمرًا الآن. ويبدو لي أنه أليق لسنتنا الحالية. هو ابن المستقبل الذي يسأل عنه.

تنويه

هذا النص ليس بشخصي. هو نص تأملي واشتباكي مبني على تداخلات وقائع شخصية وجماعية مع تفاعلات داخلية وخيالية حدثت في حياة الكاتبة حتى لحظة العودة من لقاء "متواطِئون" الأخير من تنظيم "مفردات" في دلفي، اليونان، الأسبوع الأول من حزيران/يونيو 2019.

مبتدأ

أتممت الرابعة والثلاثين من عمري ليلة السابع من حزيران/يونيو في دِلفي، وسط مجموعةٍ من المتواطئيت*؛ عابثات وعابثين في الفن ومساقاته ومؤسساته وأزماته وحلوله وتقاطعاته مع اللغة والعمارة والطبيعة والأكل والزراعة والرياضة والتهجير والحروب وأنظمة القهر والسحر والتكهّن.

تلقيت الدعوة لحضور “متواطئون 2019” قبلها بشهرين من “مفردات”، ولم أفكّر قبل أن أردّ أن أجل سآتي حتمًا إن حصلت على الفيزا في الوقت المناسب طبعًا. كنت قد اعتذرت عن دعوةٍ سابقة لضيق الوقت وغياب الفيزا. هذه المرة كرّست كل جهدي لكي أحصل أولًا على فيزا في الوقت المحدد، وثانيًا على فيزا تمنحني بعض الوقت والحرية.

لثلاث سنواتٍ مضت كنت أجرب الحصول على فيزا تطول عن مدة السفر القصيرة لأوفر تكاليفًا نفسية ومادية كثيرة في كل مرة أتلقّى دعوة لاجتماع ما دون جدوى. لكنني هذه المرة نجحت أخيرًا، بعد توسّل وتجميع رسائل كثيرة من جهات داعية، ودفع نقودٍ كثيرة، ولملمة رزمة من الأوراقٍ البيروقراطية، نجحت أخيرًا في استحقاق فيزا تمنحني أكثر من أسبوع أو أسبوعين فقط للسفر، نجحت في إثبات استحقاقي للحركة بشكل أسلس عن مُجمل مجهوداتي واحتراقاتي ما بين العمل والفن، نجحت في الحصول على امتيازٍ جديد.

وصول

جئنا، قرابة الخمسين شخصًا وشخصة** ممن يعيشون منّا جنوب المتوسط وممن اختاروا أو أُجبروا منّا على العيش في الشمال منه. من انتظروا أسابيعَ ليحصلوا على تأشيرات الحركة، ومن "نجحوا" بدخول عالم الإقامات والجوازات المميزة. وصلنا على دفعات بحسب مزاجات شركات الطيران وأحوال الطقس وأسعار التذاكر. وصلنا مرتين. الأولى إلى مطار أثينا. والثانية إلى دلفي. إلى دلفي أو دلفوي القديمة، الماكثة على منحدر جبل پرناسوس، الصامتة صمت الحكمة، العارفة ما تُكنّه للقادمين من وهم القداسة أو حقيقتها، الجامعة بين الغياب وبين النبوءة، والمخبّئة في طيّات الكثير من آثارها أمنيات وأمنيات للباحثين عن المشورة وبعض الأمل.

في الباص من المطار إلى وسط أثينا إلى دلفي عُدنا إلى أجواء الرحلات المدرسية. صدح صوت نسائي ينادي الأسماء جميعها. هل كلّنا هناك؟ هل نسينا أحد؟ هل غاب أحد؟ نجحنا في الاختبار، شغلنا كراسي الباص أغلبها، وخلقنا ما يتشكّل عادةً في الباصات: أحاديثٌ جانبية بين البعض، وغفواتٌ متقطعة من البعض، وتنقّلاتٌ عابرة بين كرسيّ وآخر، وحديثٍ وآخر، وصمتٌ استراتيجي لواحدةٍ هنا وواحدٍ هناك في تنبّؤٍ لندرة الصمت في الأيام التالية.

توقّف الباص عند نقطة ما. شوارع المدينة الصغيرة لا تتسع لضخامة الإنتاج الحديث. وهبطنا. كان على الأجسام أن تتحرّك صعودًا. أجسامٌ حيّة تجرّ نفسها وتجرّ معها أجسامًا مكعبةً بأحجامٍ وألوانٍ مختلفة. أجسامٌ حيّة تلهث من زحام المدن التي تعيشها، من آثار التدخين في الرئات، من الوزن، من قلّة الحركة أو استحالتها أحيانًا، ومن قلّة النوم. جررنا أنفسنا وحقائبنا إلى المكان الذي سنتوسّده ونغيّره ونملؤه أفكارًا وأصواتًا ونقاشاتٍ وجدالاتٍ وغيظٍ وقهوة وأكلات وحركة.

مشينا صعودًا، وأعيننا تسرح رغمًا عنّا في الحضور الطاغي للجبال والفراغ والألوان، ورئاتنا تتعرّف على هواءٍ جديد، على نقاءٍ لا نعهده عادةً، أو لا تسمحُ لنا حيواتنا اليومية باستنشاقه والاختمار فيه. الجبال تشبه جبال فلسطين التي كنت ألمحها في الزيارات النادرة والقديمة جدًا لقريتي "برقة" قضاء نابس عندما كنت قادرةً على الزيارة، وتشبه جبال لبنان التي أزورها بندرةٍ حين أزور البلاد لفرط الانشغال بالمدينة المركز والعمل، لكنها أكبر بكثير، وأسهل وصولًا لي بكثير، وأخضر وأشدّ رهبةً كأنّ آلهة المعابد لم تغادرها حقًا. أُكرّر المزحة المستهلكة بيني وبين نفسي وللآخرين أيضًا: "يا له من دليل غريب على غضب الله على الغرب الضال!".

وصلنا إلى ورطةٍ جماعية. إلى التورّط الذي اخترناه أو استجبنا له دون سؤال. كل ما عرفناه عن الورطة كان سؤالًا فضفاضًا وغير محدّدٍ في دعوة "مفردات": "أين هو المستقبل؟" وتساؤلاتٍ أخرى تحاول تفصيل الأحجية، تساؤلات بدت مطّاطةً للبعض وغرائبية للبعض عن مفاهيم مثل الغياب والحركة والتواطؤ والتنبؤ. قبل الوصول اختار كلّ منّا - بجرأة المستسهل أو دهاء الاستراتيجي - سؤالًا ليجيب عنه أو عنّا من خلاله. لكن أغلب الأجوبة لم تحضر حتى لحظة اللقاء. لا يمكن لأجوبة أحجيةٍ جماعيةٍ أن تحضر كاملةٍ قبل اجتماع الحضور، لا يمكن للتواطؤ أن يكتمل قبل استراق النظرات وإدراك الفجوات وسماع الأحاديث وتحسّس تضاريس الورطة وجهًا لوجه.

خبر المبتدأ

لم أذكر عيد ميلادي الرابع والثلاثين في البدء اعتباطًا. من ناحية، يمثل هذا العيد تساوي سنوات الطفولة مع النضج لي، ففي المنتصف تمامًا - أي منذ 17 سنة - غادرت بيت أمي في غزّة طفلةً وحيدةً مدلّلةً وذهبت إلى القاهرة طالبةً الاستقلال والنضج والمعرفة. لم أعد إلى البيت أبدًا، وكثّفت كلّ التجارب والمدن التي سكنتها لاحقًا لأصبح ما عليه اليوم من امرأة.

أما الناحية الأكثر علاقة بهذه الرحلة، أن كان هذا العام الأول الذي أسمّي فيه نفسي دون تردّد: كاتبة وفنّانة. طيلة السنوات السبعة عشر الماضية كنت أشياء كثيرة، كنت الطالبة وكنت الموظّفة، كنت أكتب وكنت أمثّل وكنت أغني ضمن مشروعاتٍ متفرقةٍ وقصيرة، وكنت الناشطة النسويّة، والمترجمة والمحرّرة والمنسّقة، لكنني انتظرت كثيرًا كثيرًا قبل أن أتجرّأ وأسمّي نفسي الكاتبة أو الفنانة، انتظرت 17 سنة من النضج والاستقلال والعمل المكثّف وورش العمل والكتابات والمحاولات لأنتج عملي الأدائي الفردي الأول وأسمح لنفسي بعده بدخول "عالم الفن"، وأرتاح لأن يراني ويسميني الآخرون بذلك أيضًا.

لذا، حين تلقّيت دعوة مفردات لحضور لقاء "متواطئون 2019" لم أفكّر مرتين مع أنني لم أفهم جيدًا طبيعة اللقاء. فرصتي قد حانت أخيرًا لاستكشاف مساحةٍ أنكرتها طويلًا وأستحقّ التواجد فيها. قرّرت أن أؤمن بفرصة الحضور ولقاء أشخاص جدد يحاولن ويحاولون التعبير بطرقهم الخاصة.

"ما الذي أفعله أنا هنا؟": في الغياب والحضور

في الطريق من المطار إلى دِلفي، كنت أعتقد بأنني الوحيدة التي تشعر بحداثة الاستحقاق هذه وغرابتها، تبدو البقيّة ذات خبرةٍ أعلى في عالم الفن ومؤسساته. كيف دُعيت هنا؟ كيف عرفوني؟ هل أنا هنا لنشاطي النسوي كما هي العادة في الدعوات التي أتلقاها في السنوات الأخيرة؟ أم أنني هنا لأنني كاتبة وفنانة؟ أم الاثنين معًا؟

وفي اليوم الأول كان الغياب الشهريّ للقمر، أو فترة انتظار قمرٍ جديد، وكان سؤال الغياب/الحضور. من وما الذي نريده أن يكون حاضرًا في هكذا لقاءٍ جماعي أو في اللحظة الراهنة من ممارستنا وحياتنا؟ ما الذي نريد أن نغيره؟ ومن وما الذي نريده أن يختفي؟ وما التفاصيل التي نريدها أن تعود من الغياب؟ (كان أحدنا غائبًا بالفعل لتأخّر الفيزا. سيحضر في اليوم التالي. كان هناك غائبون آخرون ممن لم يحصلوا على فيزا أو ممن اعتذروا لانشغالات واختناقات. أفكّر الآن، لِم لمْ نتحدث عن هؤلاء الغائبين؟)

كان علينا البدء من الغياب، المنسيّ عادةً في لحظات البدء. الغيابُ يُعكّر صفو الأفكار وحماس الانطلاقات، لكنه نفسه ما يمنح المعنى لممارساتنا الفنية وتفاعلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الغياب هو ما يمنحنا المساحة للغضب، وللاشمئزاز، وللحداد، وللتجريب، وللخلق، وللخيال، وللتنظيم.

أولُّ ما قفز من التساؤل حول الغياب، كان سؤال الاستحقاق. لم أكن وحدي إذن. كان هناك آخرون لم يفهموا سبب وجودهم في اللقاء أو يشعروا باستحقاقهم للتواجد، مقابل آخرين غائبين أقدم انخراطًا ربما أو أكثر إنتاجًا أو أعظم ثقةً أو أشد علانيةً في ما يتعلّق بتفاعلاتهن الفنية. صرخت "ح" بصوتٍ مندفع: "ما الذي أفعله أنا هنا؟". كانت، مثلي، متوجّسةً بخصوص حضورها بخصوص المغزى من اللقاء أصلًا، لكنها حضرت بالفعل؛ "أريد أن أمنح هذا اللقاء فرصة وسط كل هذا الشك".

أحد الأسئلة المطروحة كان عن ما الذي نريد أن نغيّره؟ ومع تعدّد أصوات الشكّ خلال اليوم، فكّرت أننا نريد المزيد من الثقة. توازنًا أفضل بين صوت الشكّ الضروري وبين صوت الثقة بما نعيشه ونفعله ونقدّمه للعالم. في الحقيقة، نحن، غير المتأكدات من استحقاقنا أو استحقاق البعض للتواجد داخل التجربة، نحن بحاجةٍ للتعامل برفقٍ أكثر مع أنفسنا. نحن من نحاول أن نصنع بعض التغيير وبعض الفن، أن نبحث في الأرشيفات وأن نشتبك مع الصور الغائبة والأصوات المرتبكة، أن نُذيب الشخصي بالعام، أن نفرد تفاصيل فضولنا وأمراضنا وتجاربنا وتساؤلاتنا وهفواتنا على طاولةٍ في معرضٍ أو في شريط فيديو يدور على نفسه دون توقف. لم نُسائِل أحقّيتنا في اللقاء والتواطؤ؟ ألا نستحقّ لقاءً آمنًا؟ خلوةً ما؟ فرصةً للتأمل وللتعافي الجماعي؟ فرصةً مختلفة للتخريب وللخلق وللنمو؟ لم يجب أن نغيب ليحضر أخريات وآخرون؟

قد يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه هو كيف نضمّ المزيد من المتردّدات والمتردّدين إلينا؟ كيف ننظّم الفرص بيننا وكيف نوزّعها ليستحقها ويغتنمها أكبر عددٍ مُمكنٍ منّا؟ كيف ننخرط في تجربةٍ تتنوع فيها الممارسات وسنوات الخبرة والإنتاجات والرؤى والتحديات العملية والطبائع الشخصية والثغرات النفسية والاحتياجات العاطفية؟ كيف لا نشعرُ بالذنب أو بقلّة الاستحقاق إن لم ننتج بشكلٍ هوسي؟

ما عليه أن يكون حاضرًا هو نحن وأسئلتنا وحيرتنا وقدراتنا وهشاشتنا كلّها، والذي عليه أن يختفي هو الشعور بالذنب والهوس بالإنتاج، هو الصوت الرأسمالي والبطريركي المتغلغل فينا رغمًا ويحاسبنا على كل نفسٍ نتنفسه وكمّ الإنتاج الذي نقوم به مقابل هذه الأنفاس، الذي يجعل كثيرًا من الحاضرين يشعرون بالقلق وعدم الاستحقاق، ويجعل قلّةً أخرى تشعر بالامتعاض ومضيعة الوقت لأن اللقاء لا يتضمن اتفاقاتٍ عمليّةٍ حتمية.

"الشيء الذي كنت أريده أن يختفي كان أنا": في التغييب والاستحضار

كتبت في دفتري بنهاية اليوم الأول: لا أعرف إن كانت الطبيعة هي ما يخيفني، أو إن كان غيابها المرتقب. أخاف من الفقد الحتمي للهواء النقي.

في الشهور السابقة لهذا اللقاء كنت أحترق رويدًا رويدًا. من على السطح كنت أعمل بجد وأسافر كثيرًا وأتنقّل بأعجوبة بين العمل على مشروعي النسوي والعمل على مشروعي الفني والمهام الأخرى هنا وهناك في الترجمة والتحرير والتنسيق وغيرها. ومن الداخل كنت أفرغ من الطاقة يومًا بعد يوم وأشعر بالوحدة أكثر فأكثر؛ الانشغال الشديد عزلني عن الكثير ممّا يحدث حولي، كما تعرّضت لخيبات أملٍ متنوّعة ما بين العمل النسوي الذي أنخرط فيه والأصدقاء والحب والعائلة والقاهرة التي أحاول أن أعيش فيها. كنت أجلس وحدي على خشبة المسرح، منتشيةً بحق للمرة الأولى منذ وقتٍ طويلٍ جدًا، وكان الإحساس بالاستقرار والطمأنينة في نفس الوقت يتسرّبان خارج حياتي.

الاعتراف بأن هناك فنانة تسكنني وضعني أمام أسئلةٍ كثيرة متعلّقة بتوزيع الوقت بين كلّ ما أفعله، ومسؤوليتي عن تواريخ التقديم المختلفة للمنح الإنتاجية والإقامات الفنية، وما الذي أريد أن أنتجه أصلًا بعد الإنتاج الأول، ومتى أرفض ومتى أقبل الانخراط في ورشة ما أو تعاون ما أو مهمة مدفوعةٍ ما، وكيف وسط كل هذا أحافظ على طاقتي ومجتمعي وبيتي ونظامي الغذائي وحبي ونومي وقطتي؟ أو على الأقل، كيف أساوم وعلى ماذا بالضبط؟

وصلت إلى لقاء التواطؤ منهكةً وآملة، باحثةً عن أنفاسٍ جديدة. ولم أكن وحدي أيضًا. كنّا، كما حيواتنا وممارساتنا والظروف الإنتاجية القاسية التي يعيشها أغلبنا، نتراوح ما بين الطاقة والشغف والتعب والهشاشة والحيرة. كنّا مَعرضًا متعدّد المساقات والسياقات من الأفكار المبتكرة وسوءات الفهم، من خيبات الآمال ومحاولات النجاة، كنّا بعددنا الذي قارب الخمسين دورةً كاملةً من حياة، من مشروعٍ ما، من حيرة البدايات وفشل ونجاح المحاولات إلى ارتباك النهايات، والحداد ثم التعافي ثم البدء من جديد.

قالت "دال" التي تحاول التعافي من الانهاك والاحتراق بعد قرارها بالابتعاد عن أحد مشاريع عمرها وأكثرهم نجاحًا وأذىً في الوقت ذاته: "كنت أريد لشيءٍ ما أن يختفي أو ينتهي، وبعد وقتٍ أدركت أن الشيء الذي كنت أريده أن يختفي كان أنا".

كانت هذه الجملة بمثابة إجابة سريعة ومباشرة للحظة التي أعيشها. أريد أن أرتاح في الظل قليلًا. أن أملأ البئر الداخلي بعد استنزافات كثيرة. أن أغسل جلدي من كل التوقعات التي علقت به، توقعاتي أنا وتوقعات من حولي. أريد بعض الاستقلالية عن ما أفعله أو أمثّله، لأنني قد ذُبت فيه لدرجة لم أعد أعرف اسمي.

مرّةً أخرى، لم تكن الإجابة لي وحدي، كانت كلّ إجابةٍ كهذه تلفّ علينا جميعًا وتهزّنا من أكتافنا، ثم تغيّر شيئًا ما في أقوالنا وأفكارنا، تمنحنا بعدًا جديدًا لما ظننّا أننا نيقنه ربما. كنت أراقب المجموعة وأراقب نفسي فيها، كنا في لحظة تأمّلٍ جماعية يزيد فيها الوعي بذواتنا وحواضرنا وتشابهاتنا وتشابكاتنا وأقنعتنا، وكان الشعور الطاغي بالوحدة ينقشع رويدًا رويدًا ويتسرّب بدلًا منه قدرةٌ على الشعور مع الآخر والتضامن والاطمئنان.

تدحرجت الإجابة ككرة ثلج على مدار اليوم. أحدنا يريد استراحةً من عدسة سياسات الهوية التي تصنّفه وتصنّف إنتاجه وتقرّر له ولنا أماكن تواجدنا وعروضنا ومصادر دخلنا؛ استراحةٌ من الصندوق الضيّق والغرائبي الذي يُحشر فيه الفن المسمّى بالفن العربي. أما "أ"، فتريد استراحةً من ديناميات العمل داخل ووسط المؤسسات الفنية السائدة. جعلتنا نفكّر باختفاء هذه المؤسسات وكيف نريد أن نعيد ترتيب الرقعة المتروكة لنا، ومع الإجابات المتكاثرة غدت واضحةً بشدة حاجتنا وتعطّشنا للعناية.

الحركة هي الشعور: عن التواطؤ كوصفة للعناية

خلال السنوات الأخيرة، جرّبت وانشغلت ككثيرات وكثيرين بممارسات العناية بالنفس؛ الاهتمام بالتغذية الصحية، اليوغا، التأمل، الزراعة المنزلية، العلاج النفسي، التخفّف من الأشياء والممتلكات، تحسين مواعيد النوم والاستيقاظ، تقليل ساعات العمل، وغيرها. لا شكّ أن هذه الممارسات ساعدتني على الصمود، وعلى اكتشاف المزيد عن نفسي وعن الآخرين، وعلى اكتساب ثقةٍ ساعدتني على كسر قوالب عدّة على المستوى الشخصي والفني والعملي. إلا أننا لا نعيش في عزلةٍ عمّا يحدث حولنا، عمّا ينهار حولنا، وليست كل الأوقات صالحة بالضرورة للعناية بالنفس.

مؤخرًا، أدرك الكثيرون، تحديدًا من المنخرطات والمنخرطين في حراكات نسوية وسياسية، أن العناية بالنفس وحدها لا تكفي، وأن هذا الخطاب إن تواجد وحده يعيد تكريس خطاب الفردانية والمنافسة، خطاب الأقوى والأقدر والأسرع والأكثر إنتاجًا، بدلًا من خطاب جمعيّ معنيٍّ حقًا بالعناية والصحة النفسية، وتكريسها كثقافة وممارسة جمعية وليس فقط كممارسة فردية اختيارية تنتهي بل وتنهار باحتراق وتعب الفرد الواحد.

وحين نتساءل عن الحركة والتواطؤ، نحن قرابة الخمسين إنسانةً وإنسان، المنخرطات في عوالم الفن والثقافة وتقاطعاتها مع المجتمعات والحراكات، والمشتبكين في علاقات ونجاحات وهزائم وأزمات وإدمانات، كيف لا ينهض سؤال العناية من تحت الركام؟ ومعه أسئلة متعلقة بالمؤسسات والأطر التي نعمل ونعيش فيها؛ كيف ندرك تطبيعنا مع الصدمات والإساءات والأذى؟ كيف نعرف الأرضيات المشتركة من تحديات وطموحات وآلام؟ كيف نخلق مساحاتٍ للتعامل مع أشكال التعب الجديدة؟ كيف نُوجد فهمًا مختلفًا لاقتصاديات الثقافة والعمل فيها؟ كيف نُوجد تنظيماتٍ أكثر أفقية وتشاركية؟ كيف نقبل الاختلافات؟ وكيف نمارس الإنصات، بما يتطلبه من حضورٍ وتركيزٍ وانفتاح؟

باعتقادي، كان اللقاء بمثابة تجربةٍ مقصودةٍ وعفويةٍ في آن لاختبار مفهوم التواطؤ. العروض والإجابات على الأسئلة التي طرحتها علينا "مفردات"، تحوّلت بقصد أو دون قصد، إلى بناء تراكمي لمساحةٍ جمعيّةٍ سمحت لنا بالتجرّد من الكثير من الأقنعة والأسلحة اليومية، والجلوس لأربعة أيامٍ مع هشاشتنا والتصالح مع جزءٍ كبيرٍ منها في حضن المجموعة. فتح الباب للهشاشة يجعل الأرض أكثر أمانًا للحديث عن ما يمكننا فعله وما نعجز عن فعله، ما يمكننا تقديمه وما يمكننا طلبه، يخلق تربةً للعناية الجمعية حيث نُنصت حقًا لما تقوله إحدانا أثناء عرضها وإجابتها؛ ما تقوله عن نفسها، وعن فقدها، وما تقوله عن المؤسسة، وما تقوله عن مشروعها وتحدياتها، وما تقوله عن عجزها عن طلب المساعدة، حال الكثيرين منا، ما ينقلنا للتفكير في القدرة على طلب المساعدة، والتواجد لتقديم المساعدة، ومعنى التضامن الحقيقي كجسدٍ لهذه المساعدة.

وعلى هذا الجسد أن يعرف حدوده، وأن يُنصت لإمكانيّاته. في لحظةٍ ما دامت لأكثر من ساعة وثقنا بما طلبه "ر" منّا. أن نتعرف على مفاصلنا، مفصلًا مفصلًا، ببطء، وتكرار، وتجريب، وفضول. كيف نحرّك كلّ مفصلٍ على حدة ونعزل الحركة؟ كيف نتحدّى بعضنا؟ ثم نضحك معًا على الهفوات الصغيرة وفقدان التوازن؟ ثم نجرّب ثانية؟

حين أجاب "ب" عن سؤال الحركة جعلنا نسمع "Je suis malade". جعلنا نشاهد داليدا المؤدية وهي تفور على المسرح، ودعانا لرؤية داليدا المريضة المتعبة المتشققة الروح وهي تصرخ في من أمامها، تُمضي عقدًا سريًا معهم، "اسمعني [...صمت…] أنا مريضة". بقيت داليدا بصرختها معنا حتى المساء. المساء المعدّ للسَّمَر. تحوّلت الأمسية إلى كاريوكي نغني فيه داليدا، ووردة، وجورج وسوف، وذكريات مراهقة الثمانينات والتسعينات من فرق شبابية، وروبي، وسميرة سعيد، والشاب خالد، ورشيد طه، ومايكل جاكسون، وبيونسيه، وجانيل مونيه، وأغانٍ كثيرة مما يشكل ماضينا وحاضرنا، وما يعبّر عن أوجاعنا وسخريتنا وهشاشتنا وتفاهتنا أيضًا. كنا بحاجة للكثير من الضحك والرقص والغناء بصوتٍ مرتفعٍ لنستكمل جنازة المشاعر المفقودة، واستعراض ما نكونه نحن أيضًا خارج العروض والتقديمات والإجابات والأحاديث والمشاريع المعقّدة أو البسيطة التي نعمل عليها.

بقيت داليدا معي حتى الآن، ذهبت معي إلى جلسة العلاج النفسي بعد أن عدت، جلست بجانبي حين قلت بصوتٍ مرتفعٍ أنا لا أعرف كيف أطلب المساعدة، لكنني لست وحدي، وأريد أن أتمرّن شيئًا فشيئًا على أن أغمض عينيّ وأثق بالآخرين. رأيت هذا في وجوه كثيرةٍ من المتواطئيت وهم يشاهدونها، وظلّت هذه الوجوه معي بهشاشتها وبألفتها السريعة وبوعدٍ سري على التواطؤ ولو عن بعد.

في التذمّر والنقد

أبدو رومانسيةً وأحيانًا ساذجةً. هل يبدو الكلام بالأعلى كذلك؟ فليكن إذن.

لحظات البوح الحميمية والهشّة والشخصية لم تكن مريحةً للجميع. حضر البعض إلى هذا اللقاء بتوقّعاتٍ مختلفةٍ ربما، وبجدرانٍ عاليةٍ وأقنعةٍ حديدية لا تُريد أن تستريح وتفتح بوابة الخوف والارتباك والمشاعر السيئة. وحسب ما استرقت من السمع هنا وهناك، كانت بعض المداخلات أو الفضفضات غير ملائمة أو مهمّة أو ببساطة كانت مضيعةً للوقت بالنسبة لهم. لكن الممتعضين أنفسهم ذابوا في المساحة المتاحة للهشاشة دون أن ينتبهوا. التذمّرات الصغيرة والأحاديث الجانبية والإجابات العلنيّة كشفت عن الكثير من المشاعر، الصاخبة منها والمكبوتة. كشفت عن الكثير من الإحباط والغضب والشكّ والافتقاد للحب وللاستقرار والصحبة.

لم يخلُ عدم الارتياح هذا من طابعٍ جندريّ نمطي، فأغلب الممتعضين من فيض "العواطف والفضفضات" كانوا من الرجال المغايرين جنسيًا، ما طرح إشكالية تأنيث العواطف والحكي والهشاشة وتذكير الجديّة والإنتاجية والاتّزان على الساحة. وددت لو أصيح عاليًا، التواطؤ فعلٌ سياسي، والشخصي سياسي، الشخصي سياسي بامتياز، لو نترك بعض الأحكام جانبًا ونتمسك بما تقوله لنا هذه الفضفضات على اختلافها وقرب وبعد سياقاتها، لكن للأسف لم يتسع الوقت ليأخذ نقاشٌ كهذا فرصته.

ربما ليس الوقت فقط هو ما لم يتّسع لهكذا أمر، كان هناك بعض التوجّس وبعض الارتباك بشأن الأداء المتوقع من المشاركات والمشاركين، وكان هناك بعض الغموض بشأن طبيعة اللقاء ظلّت ترافق عددًا كبيرًا منا حتى اليوم الأخير. وعلى الرغم من خروج بعض التذمّر وبعض النقد إلى السطح، ظلّت الكثير من التذمّرات والتذمّرات المضادة حبيسة الأحاديث الجانبية والعشاءات والأمسيات الطويلة. كنّا بحاجة إلى المزيد من الأيام لتكتمل العلاقة المتشابكة والسريعة التي بنيناها سويًا، وكنّا بحاجةٍ إلى وضوحٍ أعلى حيال التوقعات من اللقاء، وإلى بعض التنبؤ والتحضير المسبق؛ كي تتيح المساحة المشتركة التي أوجدناها بالفعل خروجًا أكثر علنيّة وحريّة للتذمّرات والتذمّرات المضادة حول العواطف والتجارب، وحول الأسئلة المطروحة، وحول ماهية الحضور، وحول اللغة، وحول الامتيازات، وديناميكيات القوة والسلطة بين الجهة المنظّمة والمدعوّين والمدعوّات، وحول التنظيم نفسه، لنتمكن من صياغة تحليلٍ ونقدٍ فردي وجماعي أكثر وضوحًا وتماسكًا كجزءٍ لا يتجزأ من فعل التواطؤ والتضامن.

تكهّن: فعلٌ يصنع المستقبل

في الأيام الأربعة التي نَمَت فيها علاقةٌ متشابكة وسريعة مليئة بالمشاعر الحميمة والهشّة ولحظات النشوة والطبخ والأكل المشترك والتذمر، كان هناك أيضًا الخيال والحلم والوهم. قادنا كلّ من "ج" و"ج" إلى معبد الكاهنة الحكيمة. الكاهنة الغائبة. تركنا عندها قرابين صغيرة وأمنيات وأسئلة.

وفي اللحظات الأخيرة من نهار اليوم الأخير، قرأت لنا "س" أوراق التاروت بشكل جماعي. قام كل منّا بترتيب الأوراق قبل السحب لنترك طاقتنا المجمّعة فيها. اعتلت وجهي ابتسامةٌ مركبّةٌ حين ظهرت الأكواب بكثرة في الورق، منتصرةً للمشاعر. ظهر لنا أيضًا كرت الساحر ليعبّر عن حال المجموعة الحالي؛ بوجودنا معًا لدينا كل شيء. والكثير من النجوم؛ حالنا في الانتظار الدائم للمنح والتمويل والدعم. وعشرًا من العصى السحرية؛ حاملةً الشغف والإبداع ومحذّرةً من حمل ما لا طاقة لنا به.

لكن الأمنيات والقرابين والحظّ والطالع هي مُلك الفاعل الغائب. وليكتمل فعل التكهّن، لا بدّ لنا أن نُسائل ونُحرّض الفاعل الحاضر؛ نحن، أفرادًا ومجموعة؛ ونحن، منظّمين ومُشاركات؛ ونحن، التركيبات الإنسانية المؤلّفة من مشارب وتجارب وممارسات مختلفة حين نجتمع في مكانٍ واحد. ومن هنا تأتي نيّة هذا النص في نصب طاولة عليها بعض المشاهدات، وبعض المشاعر، وبعض الأسئلة التي تصعُب حقًا إجابتها على طرفٍ واحدٍ أو شخصةٍ واحدةٍ دون البقية.


نحن بحاجة للحديث عن العمليّة والممارسة، ليس فقط ممارساتنا الفنيّة، أو عمليّاتنا المؤسسية، بل عن عمليّة اللقاءات هذه وممارسة الأحاديث والعناية الجماعية. ما هي الأسباب التي تدفعنا لتنظيم/حضور هكذا لقاءات جماعية تجمع بين الفن وعوالم أخرى قد تبدو غريبة عنه؟ إلى أين نمدّ أيدينا في هذه العتمة؟ ولم تأخذ مثل هذه اللقاءات هويّة نصف رسمية، خجولة أحيانًا واعتذاريةً أحيانًا في أنها لم تهدف بالضرورة إلى إنتاج شيءٍ ما؟ كيف نصمّم لقاءً يستجيب إلى حاجاتنا الإنسانية مثلما يستجيب إلى حاجاتنا الإنتاجية أو الاستعراضية؟ ولم نفصل هذه الحاجات عن بعضها أصلًا؟

ما اختبرته وآخرون في اللقاء كان روايةً فجّةً لحاجتنا للتجمّع والبوح التي تطغى على محاولاتنا الواعية وغير الواعية لكبتها أو تجاهلها وعدم الإنصات لها. فبدلًا من التذمّر أو الاعتذارية، كيف نعترف بهذه الحاجة؟ لماذا لا نقولها بعلانية، في أكثر من لقاءٍ مشابه لهذا، أننا ببساطةٍ شديدةٍ بحاجةٍ إلى مساحة عضوية لتبادل الأحاديث والهموم والقصص، مساحة جماعية للشفاء، دون إنتاج ودون مواعيد تسليم ودون مراقبة من أصحاب السُّلطة ودون أيّ ضغط لإثبات النفس والاستحقاق وإشهار الاسم واقتناص المنحة القادمة؟

وحين نعترف بهذا، كيف ننظّم ونشارك في لقاءٍ تكون العناية الجماعية في صميمه؟ لقاءٌ يستجيب إلى حاجتنا للهدوء وللأمان وللقبول وللدعم والتضامن؟ ومن ثمّ كيف نصنع هذه العناية الجماعية بشكل تشاركي؟ كيف نفكر بأنفسنا كمشاركيت ومنظّميت في آن واحد؟ كمتواطئيت في صناعة الأسئلة والتدخّل في الجدول الزمني والتواجد في عملية التوثيق وإيجاد مساحة النقد؟ كيف نفكّر ونجرّب ميكانيزمات جديدة ومقاومة في التنظيم واللقاء والمعايشة، قد تلهمنا في الإنتاج أو عدم الإنتاج؟

من الآخِر، هذا النص هو دعوة لتحويل التكهّن، شخصيًّا وجماعيًّا وسياسيًّا، من لحظة تأملٍ واحدة إلى فعلٍ حاضرٍ متكاملٍ يبدأ بالإجابة عن الأسئلة نفسها التي طرحتها "مفردات" بشكل فضفاض وغير مفهوم للبعض وربما لها؛ ما الحاضر وما الغائب؟ كيف نتحرك ونحرّك؟ كيف نتواطأ ومع من؟ وكيف نقاوم؟ وكيف نتخيّل ونسمح للخيال أن يساعدنا على تصوّر أين يكون المستقبل؟

كما أوردت مسبقًا، باعتقادي، كان اللقاء بمثابة تجربةٍ مقصودة وعفوية في آن واحد لاختبار مفهوم التواطؤ، لذا أنا ممتنّةٌ لفرصة كتابة هذا النص المُنهك الطويل كممارسة للأرشفة الحيّة على محاولاتنا في النجاة، ولتوثيق سرديّة شخصية وجماعية لا أريدها أن تغيب، وكهديّة متأخرّة لعيد ميلادي الذي قضيته أحتضن وأودّع أشخاصًا غرباء مُقربّين.

* متواطئيت، بدلًا من متواطئون ومتواطئات. أسلوب نحوي جديد ابتدعناه ونجرّبه في مشروع "ويكي الجندر" لخلق جمع شامل لكل الهويات الجندرية في آن، طيف بدلًا من الثنائيات. الياء من جمع المذكر السالم، والتاء من جمع المؤنث السالم. جرّبوها عند جمع الأسماء.


** شخصة نعم، لم لا؟

الجمعة، أبريل 10، 2020

إلى دال في أواخر صيف ما - من أرشيف الرسائل

عزيزتي دال،

ها أنذا أجلس أمام البحر، كما تمنيت لي
مضحك كم كانت سريعة الحياة في الاستجابة لأمنيتك هذه المرة. ربما علينا أن نتوقف عن إطلاق أمانينا الخاصة وأن ننتظر أمنيات الآخرين لنا.

القرية هنا غالبية سكانها من الطبقة المتوسطة، لا توجد الكثير من النساء على البحر، وقد لا يكون هناك امرأة غيري هنا تجلس بالمايوه البكيني دون مبالاة لنظرات المراهقين والعابرين المتطفلين.

في السنة الماضية اكتسبت شجاعةً غريبةً عني في الشارع وفي الأماكن العامة. أصبحت لا أكترث للنظرات ولا لوجود الآخرين من حولي. أفعل الآن أمورًا لم أتخيل أني سأفعلها من قبل، أن ألبس "كَت" أو فستانًا مثلًا في وسط البلد، أو كما فعلت يوم السبت الماضي في العيد حين لبست توب كَت صدره مفتوح وذهبت للسينما وعبرت وسط فوج من الرجال الذين يحاولون دخول المول بسلاسة ودون مبالاة. بغض النظر عن درجة أمان الشارع والأماكن العامة حاليًا وعن مجهوداتنا على مدى سنين مضت، أعتقد أن هناك شيئًا ما في العبور إلى الثلاثينات. أحس بأني أكبر قليلًا من الصبية الهائمين، بأني أكثر حكمة، بأن عظمي أصلب وجلدي أخشن، وبأني قادرة على الصراخ بصوت أعلى والنظر إلى المتطفلين بعنف أكبر.

لا أعرف إن أصبحنا أفضل في تفادي الخراء، أم أن الخراء، حتى الخراء، لم يعد موجودًا من حولنا كما السابق. إن توقفنا عن ملاحقة الآمال الكاذبة أو أننا تعبنا حقًا وفي استراحةٍ طويلةٍ جدًا سنصاب بعدها بالخيبة مرة أخرى وأخرى وأخرى. لكنني أرى أننا بالتأكيد أصبحنا أفضل في توقع الخيبات والتعامل معها.

اليوم كنت أنظر إلى الموج وأتذكر كلام يلدا صديقتي، كانت تواسيني في فقدي العاطفي وتحدثني عن "اللاديمومة" أو "حتمية التغيير". كانت تتحدث عن أول خطوة في فهم ما حدث، نصحتني بأن أفكر بالموج، لكنني عندها لم أتوقف عن التفكير بالأشجار. كيف من بذرة تنمو إلى شتلة ثم شجرة ثم تموت ولو بعد حين. اليوم تمكنت أخيرًا من التأمل في الموج، كيف تولد الموجة ثم كيف تكبر وتهجم ومن ثم تنحسر، وأتذكر كيف أن كل شيء في حياتي كان هكذا. الخيبات أيضًا، حبي الكبير، وجعي الكبير، وحتى أحلامي واهتماماتي. حلمي مثلًا بأن أصبح أمّا.

الآن أريد أن أكتب أكثر، وأن أعيش في مكان مناسب لأن أكون أمًّا. أتساءل هل يمكنني ذلك يومًا؟ هل هذا حلمٌ أسهل؟

معك حق، علينا قبول لا يقينية اللحظة، وأننا سنعوم أحيانًا أو ربما دومًا على وش الفتة، وأن لعلّه خيرًا.
بغض النظر عن تحقق أحلامنا ورغباتنا المختلفة في ما يخص الأمومة أو الحب أو التحقق الذاتي أو العدالة الاجتماعية حتى، أصبحنا أقدر على تقدير لحظات صغيرة جميلة واقعية جدًا ويقينية جدًا مع ما تبقى لدينا من أنفسنا ومن الآخرين وأطفالهم.

أسرح أحيانًا في احتمال ألا أصبح أمًّا أبدًا، الفكرة غدت أقل قسوة علي، أجهز نفسي دون قصد لذلك الوقت إن أتى، أقول لنفسي سأفعل أشياءً كثيرة، سيكون لدي كل الوقت والحرية لكي أسافر كثيرًا، وأتأمل كثيرًا، وأرقص وأتمرّن وأتشمس كثيرًا، وأن أطبخ وأحب أكثر من مرة دون خوف، فالأسوأ أو ما ظننته الأسوأ قد حدث بالفعل! وأن أكتب وأقرأ وأغفو دون أي إزعاج، وأن آخذ توتة وبوري في مشاوير مثيرة دون ثقل الأمومة وذنوبها.

أجهز نفسي لكل ما يمكن أن يأتي، لكل شعور يمكنني أن أحسه. أحب كيف بإمكاني أن أطبخ وأن أحتضن وأستقبل أصحابي وأن أضيء الشموع وكأننا جميعًا في موعدٍ غرامي. لا بأس حين نكون وحدنا حقًا. لا بأس فعلًا.

هذه الفترة أعجز عن كتابة النصوص عدا الرسائل. لكنني بدأت أخيرًا، وبعد خمول شهور، بالقراءة من جديد. أقرأ الآن رواية مصورة جميلة بعنوان “Blankets”، كنت قد اشتقت للقراءة كثيرًا كثيرًا لدرجة البكاء. حبيبتي القراءة كنت ظننتها لن تعود، والآن أحس بأن حبيبتي الكتابة ستزورني في وقت ليس ببعيد.

أتمنى لو يومًا أتجرّأ وأنفّذ بعض الأفكار التي تجول في رأسي، ومنها جلسات الكتابة حول حروبنا الشخصية كنساء خرجن من رحم نساء، ومن بيوت وتجارب كثيرة، وكيف ننجو ونستمر بالنجاة. حتى في رسالة كهذه أنجو.

سآكل منقوشة بالكشك خبزتها ريم منذ قليل، أحيانًا أحس بأن ريم أمي، ثم أحس بالذنب لأنني أنسى أن أتصل بأمي. سأحادثها حين أعود للشاليه.

رسالتك أنعشت قلبي، حقًا، شكرًا على الشجاعة يا دال، ولأنك دعوتني للسفر، للبحر وللكتابة.

الجمعة، 8 سبتمبر 2017





السبت، أغسطس 04، 2018

عن الارتباك والقبول: أم وبنت وبينهما معبر رفح

نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس2017



عدت لبيتي بعد أن أوصلتها إلى المحطة الأولى في طريق عودتها لبيتها. كلتانا تحبان صُنع البيوت، كلتانا تحتفظان بأصغر الأشياء، تقتنيان الشمع، تأكلان ما أعشب في الأرض، كلتانا تحبان الحياة، بل تقاتلان من أجل الحياة.

لا نحب هذا الوداع، فبيتها الصغير كبيتي، ليس في الشارع المقابل، ولا في الحي المجاور، ولا حتى في المدينة الصغيرة على بعد ساعتين أو ثلاث. بيتها هناك، حيث ينصبّ ظلم العالم كله على الحدود وما وراءها بلا هوادة. بيت أمي هناك، في الطابق الخامس من إحدى بنايات شارع اللبابيدي في غزة.

قبلها بعدّة ساعات، كنت تحت الماء الساخن أتأمل بصمت زجاجات الشامبو المصطفة على طرف الحوض. لملمنا كل الأشياء وضغطنا الحقائب لتسع أغراضها القديمة والجديدة. لم يتبق سوى زجاجات شامبو الأطفال الذي تستخدمه؛ لن تأخذها معها. فكرت بأن ذلك أفضل، سأذكر أمي في الأيام القادمة كلما فاحت رائحة الصابون.

وَصلَتْ أمي القاهرة منذ شهر وسبعة أيام، بعد سنتين من الغياب. أربعين ساعةً قضتها بين الانتظار في الباص والنوم على أرض المعبر المصري والتقدم البطيء في الصحراء والتعطّل المتكرر على الحواجز وعبور النيل نحو المدينة المزدحمة البعيدة زمنًا وعذابًا (لا مسافةً)، حيث أسكن أنا، ابنتها. ومنذ يومين، جاءنا الخبر العشوائي دومًا بفتح المعبر، ومعه بدأت طقوس الوداع على عجل.

ليس للفلسطيني العابر من غزة إلى مصر اختيار متى يسافر ولا متى يصل ولا متى يودع أو يعود، مصيره معلّقٌ دائمًا في الهواء. ليسافر عليه تسجيل اسمه ضمن قوائم انتظار طويلة، وترقب دوره، والصلاة للحظة انفراج ما يُفتح فيها المعبر. وعندها فقط، وإذا كان محظوظًا فأتى دوره وكان اسمه ضمن القوائم الموافَق على مرورها من قبل الجهة المصرية، واستوفى جميع المتطلبات وأدى فروضًا باهظة الثمن في أحيان كثيرة، تبدأ رحلته الشاقة؛ يبدأ بالدعاء بأن تكون الرحلة أقل قسوة من توقعاته والأخبار التي يسمعها عن الطريق، وألا يضطر للوقوف لساعات على حاجز «الريسة» في العريش وغيرها من الحواجز، وألا تضيع أشياؤه وأوراقه وتتبعثر في كل مكان نتيجة التفتيش العبثي المتكرر. وأخيرًا، وبعد ساعات طوال، يصل المسافر إلى القاهرة أو إلى طائرة ستأخذه إلى عمل أو علاج أو زيارة مؤجلة للأحبة. وحين يريد العودة، لانقضاء حاجته من السفر أو لاضطرار ما، يبدأ الفلسطيني من جديد حالة الانتظار والترقب والأمل بأن يفتح المعبر. وحين يُفتح أخيرًا، يصلّي هذا المسافر التعس، هو وأحباؤه على الجانبين، أن يصل غزة حيًا سليمًا يُرزق.

تقطع خلوتي حين تحدّثني من وراء ستارة الحمام. أبتسم قبل الإجابة على أحد أسئلتها الكثيرة وغير الضرورية في الكثير من الأحيان. لا تزال بيننا تفاصيل حيّة من علاقة أم بابنتها، لا تزال رائحة عيشنا المشترك القديم قادرة على الانبعاث بين الفينة والأخرى، لكن ذلك لا يشفي ما فقدناه في سنوات البعد الطويلة منذ انتقلت للعيش خارج غزة، وتحديدًا في السنتين الماضيتين، حين لم نتمكن من اللقاء بسبب إغلاق المعبر لفترات طويلة، وصعوبة الطريق، وضياع فرص الخروج النادرة، وارتباطي بالعمل حيث لا يمكنني أن أخاطر بالسفر والغياب لأشهر حتى يُفتح المعبر فأخرج من جديد.

في البُعد، نكون امرأتين مستقلتين في بيتين منفصلين. تختفي موازين القوى وعلامات التاريخ. تعيش كل واحدةٍ في عالمها الخاص، تغوص في تفاصيل عملها، تنسج علاقاتها، تحتفي بنجاحها وتراجع مواضع فشلها، تبني أفكارها ونظرياتها عن العالم والنسوية والمجتمع، وتهتم بقلبها. وفي المساء، ترسل كلٌ منا صورة أو رسالةً قصيرة تطمئن بها على الأخرى في الجهة المقابلة.في اللقاء، المفاجئ طبعًا بسبب ظروف المعبر، تنكشف مساحة الاختلاف، وينمو الارتباك في محاولة استعادة مؤقتة وغير محددة المهلة لما نذكره عن العيش المشترك والطابع الحسي للأمومة والبنوّة. ندور حول البيت وحول بعضنا البعض بحركاتٍ سريعة متخبطة كلعبة الكراسي الموسيقية، بانتظار صافرة النهاية لتجلس إحدانا وترتاح.

"إن تجودي فصليني أسوة بالعاشقين، أو تضنّي فاندبيني في ظلال الياسمين"


منذ رجعت إلى البيت وأنا أدندن الأغنية، مستعيدة الساعات القليلة السابقة. صباح السفر تركتني أمي أوضّب حقيبتها، في اعتراف ضمني بمهارتي المتراكمة عبر سنوات من السفر والارتحال بين المدن والبيوت. جلست هي على الكنبة تكمل الصفحات المئة الأخيرة من رواية واسيني الأعرج الضخمة التي اشترتها من معرض الكتاب، وجلستُ بجانبها أرد على بعض الرسائل. حدّثتها لأول مرة منذ أتت عن نيتي في الكتابة أكثر. راجعنا خطوات اليوم حتى لا ننسى شيئًا، ثم طلبنا السمك المشوي، وأثناء انتظار وصوله استمعنا لصباح فخري يغني. ضحكنا كما كنا نفعل منذ طفولتي على فيديو له وهو يرقص في منتصف الأغنية، ثم بدأنا بالرقص معه. رقصنا سويةً لأول مرة منذ حضرت في احتفاء مكتوم؛ مهارتنا في الرقص لم تتأثر بالبعد إذن. الرقص أيضًا لا يزال يجمعنا.

الشهر المشترك لم يكن سهلًا. في كل مرة نفترق تبعد المسافة أضعافًا، نكبر في البعد أكثر. وهذه المرة كانت الأصعب بعد سنتين من الغياب. أمي كبرت، وأنا كبرت أيضًا. خذ امرأتين قويتين تعيشان بمفردهما، واحدةً في الستين والأخرى في الثلاثين، ضعهما في بيتٍ من غرفةٍ واحدة، بشكلٍ مفاجئ ودون مدة محددة، وانظر ما سيحدث.

في البدء اختبرنا مجموعة من المشاحنات اليومية المكثفة. كنت – ولا أزال – أستغرب من بعض ما تقوله أو تصنعه أمي، من هذه المرأة الستينية في مطبخي؟ في غرفتي؟ أمام مرآتي؟ متى أصبحت تحب المربّى بهذا القدر؟ بلا شك استغربتني هي أيضًا، وإن لم تعبر عن ذلك بوضوح، فمتى أصبحتُ أكره نور النيون لهذه الدرجة؟ لماذا لا أحب المربّى؟ تنازعتني نفسي بين الاختناق من الضيق المفاجئ في المساحة الشخصية وبين طاقة الحب والحنان التي أضاءت قلبي. ولم أنفك عن التعجب والإعجاب والاستفزاز في آن واحد من كم التشابه بيننا.

لقاؤنا بعد غياب أشبه بعملية استعادة جزئية بعد فقد، يتخللها بالضرورة بعض الحداد. في المسافة لا ندرك بالضبط ما الذي فقدناه، المحادثات الهاتفية والصور والرسائل القصيرة لا تكشف المتسرب من الأوصال. يخدعنا التواصل الإلكتروني، أما اللقاء فيعرينا ويعري كل ما جرّبنا، بوعي أو دون وعي، أن نخفيه عن الآخر.تمضي الأيام الأولى مع أمي في حالة حداد، إنكار وغضب ونشوة وفرح مفاجئ يليه حزن وتخبط. لكن مع الوقت – إن حالفنا بعض الحظ – نستعيد بعض الهدوء وننتقل ببطء لحالة القبول: قبول الفقد، قبول تقدّم العمر، قبول الاختلاف، قبول الطريقة الجديدة في العيش، قبول القرب الشديد والشفافية، مع الهشاشة التي تصاحبه، وقبول علاقة الأم والابنة من جديد. يغدو هنا الحديث أكثر انسيابية، ويصبح العيش المشترك أقل ضغطًا، والطبخ المشترك أكثر متعةً. شيئًا فشيئًا، تبدأ كل واحدة برسم منطقتها وفهم منطقة الأخرى، نبدأ بإعادة الاكتشاف.

إلا أن الوقت دائمًا ما ينتهي قبل أن نصل إلى نقطة «العادية»؛ تعلن السلطات المصرية فجأةً عن فتح المعبر، ويحدث هذا دومًا قبل أن نعتاد تمامًا على الترتيب الجديد، أو المستعاد، بلحظة واحدة. تنتهي حالة الاحتفال والحداد والتعوّد، تختفي الأيام الماضية ويختبئ القلق من الأيام القادمة ولا يتبقى لدينا سوى يوم أخير. امرأتان، صديقتان، أم وابنة، وبضعة ساعات لاكتناز الحب والرقص والأكل والموسيقى والأحاديث وحزم الحقائب.

فجر البارحة، قطعت أمي الصحراء الخطِرة من جديد لتعود إلى منزلها في غزة. ستغرق من جديد في روتينها وعملها الذي ستتمسك به حتى آخر لحظة من عمرها، فهي لا تعرف الجلوس دون حركة أو إنتاج. وأنا بدوري، عدت إلى منزلي في المدينة القاهرة، وسأغرق مثلها في تفاصيل عملي وحياتي، صداقاتي والازدحام وأحلام السفر وغلاء الأسعار. منذ سنوات، عندما اختارت كلّ منا مدينتها، كنا نعتقد أننا على بُعد «سفرٍ» فقط، كنا نعتقد أن غزّة والقاهرة هما أقرب نقطتين لخطّ موصولٍ بيننا. لم نكن نعلم ما ينتظرنا من مسافات مضاعفة وتعقيدات سياسية وطوابير انتظار وتنسيقات ومخاطر طريق.

اليوم هو الثامن من مارس. أفكر أن المعبر انفتح في وقت مناسب لتستيقظ أمي في بيتها وتشارك في احتفالات وأنشطة يوم المرأة العالمي كما تفعل كل سنة. بعد شهر منقطع عن العمل أتخيل صوتها الذي تربيتُ عليه، يصدح في الندوات والاجتماعات والشجارات والحملات المدافعة عن حقوق النساء.

أما أنا، فاستيقظت اليوم وحدي دون صوتها وحركتها، أعددت الفطور الذي أحبه، وغيّرت ملاءات السرير، وجلست أكتب هذا النص، تتنازعني نفسي بين ثقل الصمت والوحدة، وبين الاستقلال بمساحتي الشخصية من جديد، وبين انتظار اللقاء القادم بكل ما يحمله من شوق وحب وفقد ومواجهة وحداد وإعادة اكتشاف.

*نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس 2017

**في السنة التالية، أعادت مدى مصر نشر المقالة بالإنجليزية في نفس التاريخ 8 مارس 2018، ترجمة ناريمان يوسف

 

الاثنين، فبراير 26، 2018

الكلمة المستعصية على النطق

نشر النص في مجلة رمّان الثقافية بتاريخ 06 فبراير 2018
 

استيقظتْ أخيرًا بعد تكاسل ساعتين، على السرير الذي بات لها وحدها الآن، والملاءة الصفراء التي طالما تشرّبت بعرقهما. فتحت عينيها وتسارعت دقّات قلبها لبدء يومٍ جديد. عدّلت وضعية استلقائها، رفعت رجلاً فوق رجل، القدم اليمنى استقرت على الركبة اليسرى. من هنا، كانت ترى كل شيءٍ مرتين، مرةً أمامها ومرة في المرآة الكبيرة على الحائط مقابل السرير. في قدمها اليمنى خلخالٌ بسيط؛ خيطٌ واحدٌ لا رفيع ولا سميك من الفضّة الغامقة، ومربّعٌ صغيرٌ يتدلى بعبارة "امسك الخشب".

في هدوءٍ استلقت تتابع دقّات قلبها، يدهشها دومًا كيف يفور الدم في عروقها لحظة أن تفتح عينيها. تقارنه بمولودٍ حديثٍ تأذنُ الحياة لرئتيه بالعمل فور خروجه من الرحم. وهي من رحم النوم، الموت المؤقت والأحلام، تخرج كلّ صباحٍ جاهزةً لأنفاسٍ جديدة.

كعبُها هناك آخر الخلخال. كعبها المتعب من مشي الصيف الطويل في بلدٍ غريب. كعبها الذي أخبرها عشاقها السابقون جميعًا بأنه ناعمٌ كخدٍّ حنون، لم يعدْ من السفر الأخير سالمًا؛ خدوشُ الطريق، خشونة القلب، وثقل جسدٍ مُضنى بالجراح والأفكار.

كانت ترى كل شيءٍ مرتين. وقف خلفها أمام هذه المرآة مراتٍ كثيرة. في أحيانٍ احتضنها. وفي أحيان، ترك قبلةً على بطنها أو علّق على نقصان وزنها أو اختال بجسده المشدود وصدره الواسع. وفي أحيانٍ، كانت ذراعاه على خصرها، يثبّت وقفتها، صدره المتعرق يبلّل ظهرها، يراقب وجهها، تموء وتتلوّى لما يفعله بها. يتعاقب عليها بتصميم، وهي تلفّ وجهها بكل ما تستطيع من مرونة لتخطف قبلة حيوان هائج. كانت ترى كل شيءٍ مرتين، لكنها تشكّ الآن في ما رأته. هل حدث ذلك أمام مرآةٍ أخرى؟

تتحسس الملاءة الصفراء. تستثيرها نسائم الخريف، هي التي قررت منذ مدّة التخلي عن الملابس الداخلية أثناء النوم. جسدها بحاجةٍ لأنفاس جديدة كل يوم أيضًا. تتحسّس الملاءة الصفراء وتضيق أنفاسها شيئًا فشيئًا. صور قبيحة ترسلها المرآة إليها الآن، تخطر على بالها كلمةٌ واحدةٌ لا أكثر ولا أقل، تفكّر فيها ولا تنطقها أو تكتبها.

لأشهرٍ كان هذا أول ما تفكّر به كل صباح. تسأل نفسها عن الكلمة، وتستعجب لأنها لا تجد تعبيرًا آخر عنوانًا لحكايتها. الأصوات الساكنة في الرأس تتجادل. تتفلسف. تتقارع لتحلّل معنى الكلمة، درجاتها، إمكاناتها، ومدى مناسبتها أو مطابقتها لما حدث، لما تشعر به. لكنها وهي تلتقط أنفاسها الضيقة تدرك أنها على حق.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة التي ضاجعته فيها بكلّ ما أوتيت من غضبٍ وحزنٍ وذهول، وعلى نفس الملاءة الصفراء. بكل ما حملته من غريزة الحيوان امتطته وتركت له جسدها ليمتطيها. عضّت شفتيه وغرزت أظافرها في جلده، صرخت حين ولجها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ قد مرّت على وجودهما معًا.

تركّز هي في التواريخ والذكريات، وفي الكلمات. تتمنى أحيانًا لو أنها لا تذكر، لو أنها حقًا تنسى أعياد الميلاد وتواريخ المحادثات والزيارات والقبلات المسروقة والمواجهات البائسة؛ تحملها حجرًا ثقيلًا على صدرها. تتمنى حقًا لو أنها تفقدُ تلك الكلمات التي صادفتها يومًا. كلماتٌ كثيرة، كلماتٌ يومية، كلماتٌ بخط اليد، كلماتٌ من نرجسيةٍ صافية تروي تفاصيل خدعة كبيرة. الكلمات تصنع جملًا، والجمل تنحفر على عدستي عينها، وتحملها كحائط صدّ ضد كل محاولات النسيان.

كان هو يذكر أيضًا. كان يذكر ما يريد، ولا يحتفظ بالذكرى لنفسه. كان يذكر، ويفرض الذكرى عليها. يعيدها مربعاتٍ إلى الوراء. عليها أن تذكر. عليها أن تظلّ هنا أمام مرآتي المفضّلة ريثما أخرج في رحلات صيدي الطويلة ثم أعود نظيفًا كأن ما جرى شيء.

تسترجع تلك الليلة بوضوح في ذاكرتها الآمنة الآن، لم يعد هناك ليُقحم ذكراه عليها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ مرّت على وجودهما معًا. كان يَلجها وكانت تذوب في الذكرى كحضنٍ أخير قبل وداع مهاجرٍ لن يعود. كان يَلجها، وكانت تكرّ الأيام في رأسها. كرّت المرّات الساحرات، الرسائل والهدايا، تجاربها لقمصان النوم الخليعة، زوايا البيت جميعها التي عرفت رائحة الشهوة بينهما. كان يَلجها وكانت تدمع إلى أن انتهى داخلها.

كانت تحبّه، تفكّر اليوم وهي تتحسس تلك الملاءة. كانت تحبّه، وكان يصيبها بالذهول مرّةً بعد مرّةً. كانت تحبّه فتكلّمت بهدوءٍ مدروس. كتبت ما ستقوله في اليومين السابقين. تمرّنت أمام المرآة طويلاً لكي لا تضلّ الطريق.

كان مرتاحاً بعد لهاثٍ على الوسادة. الضوء أصفر خافت، رأسها بمحاذاة رأسه، عيناها تحدقان فيه، يدها ترتاح على بطنه الحبيب، وقطرات العرق تنحدر منهما، بنفس البطء، على الأصفر الممتد تحتهما.

كانت تحبّه فتكلمت بحذر، وكان شاخصًا ومذنبًا فاعتذر. لم تنطق الكلمة حينها. سمّت ما حدث كلّ اسمٍ ممكن عدا تلك الكلمة. أبقتها بعيدةً عن لسانها، قلبها، دموعها، وسريرها، لتبقى هي ويبقى هو. كانت كلمةً واحدةً فقط، لكنها أدركت أن النطق بها سيغير كلّ شيء فصمتت. تلقّت اعتذاره بالدموع. تلقت وعده بالأمل. تلقت قبلاته وولوجه مرّةً أخرى بالسماح. كانت تحبّه فصدقت بالحب أكثر مما صدّقت نفسها. صمتت.

صمتت هي وحاولت معه من جديد. وصمت هو ليحتفظ بصورتهما أمام المرآة أطول وقتٍ ممكن. صمت عن الكلمات المكتوبة فقط. لم يكترث حقًا، كما لم تكترث هي، لقلبها. ولمراتٍ ومراتٍ بعدها، ظلّ يغادر ويعود، ويغادر ويعود، مورّمًا شفتيه بشفتيها، معريًا صدره الواسع المكتنز بالأكاذيب.

الشمس تستوي في السماء خارج نافذتها، والريحانة تطلّ من نفس النافذة عليها، تطلب الماء والعناية، وهي ما تزال تحدّق في المرآة. تنظر للخلخال. تتبع الظاهر من جلدها. القدمان فالساقان فالفخذان. تتخيل الباقي تحت قميص النوم البنفسجي حتى رأس صدرها. وحدها في السرير هذه المرّة. على نفس الملاءة، امرأةٌ أخرى الآن، دون دموع ودون خوف ودون صمت. تتنفس فقط وتفكّر.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة، ومرت الليالي ليلةً ليلةً على كل ما تلاها. هي الآن بعيدة، تتمدّد في الصباح، وتكتب قصّتها دون حذر. تشعر بالصّدق يملؤها، والتصديق بقلبها شفاؤها.

تكتب قصتها باختصار. لا تحتاج لدلائل أو براهين وقلبها موجود. لا تحتاج للإقناع لتحكي ما عاشته. لن تكفي أية تفاصيل لشرح ما حدث.

تكتب قصّتها بهدوءٍ ورضا. تسميها "خيانة". وتدرك أنها تصنع النهاية اللائقة بكلّ ما حملته من حبّ وكلّ ما أضاعه من أمل.

الأحد، أكتوبر 01، 2017

ذبابةٌ في السماء




حبيبتي سمر

أنهيت لتوي، على طائرة عائدة من ميونخ، سيرة الشاعر تشارلز سيميك "ذبابة في الحساء". نقلتها إلى العربية الشاعرة المصرية الأقرب لقلبي إيمان مرسال. كنت بدأت بالاعتقاد أن هذه السيرة لن تنتهي وأنني لن أقرأ كتابًا آخر هذه السنة. بدأته في بداية فبراير الماضي، حين كانت أمي تزورني في القاهرة، كان وقتًا صعبًا -وما زال-، ولم أتمكن من هجر الكتاب لفرط جماله ولم أتمكن من إكماله قبل هذه اللحظة لفرط تشتتي.

على الطائرة اليوم وأنا أقترب من النهاية كان قلبي يذوب، لقد أصبح الكتاب مثل حبيب غائب لا أعرف متى يفاجئني بنفحة حب، والمفاجآت اليوم كانت كثيرة. يتسارع جمال الوصف والتعبير والشعر مع اقترابك من الغلاف، تودين الالتفات للخلف والعودة مرة ثانية، إلى حضن الحب والشعر حتى وإن كان الحبيب غامضًا والشعر عزيزًا. أعلّم تحت بعض السطور، أود أن آخذها معي أينما أكون. أتأمل فيه، في كل قراءاته، في كل اقتباساته من الشعر والتاريخ والفلسفة، تصيبني نشوة، لا، نشوات متتالية، أفكر بأني أريد أن أقرأ هكذا وأن أفهم الدنيا هكذا وأن أكتب شعري وسيرتي يومًا ما هكذا.

تصيبني رغبة عارمة بتحطيم الموبايل والانكفاء داخل العزلة. عالمنا معقد جدًا، مُربكٌ جدًا، وأنا في لحظةٍ حرجةٍ تمامًا من تاريخي الشخصي وسط تاريخ قبيح يكتب ويزوّر لهذا العصر. تجاوزت أيام الدراسة والعشرينات من عمري، لكنني بعيدة عن الستينات التي ربما أجلس أثناءها على شرفة وأقرأ أو أكتب دون خوف.

هل سأتخلص يومًا من خوفي يا سمر؟
هل سيزورني الحماس والشغف من جديد ولمدة أطول قليلًا أتمكن معها من تحقيق شيء؟
هل سأكتشف معنى الإيمان يومًا؟

أنا مليئة بالأحلام يا سمر، تتبعها اختناقات صغيرةٌ في عمق صدري لما أدركه من تاريخي المشؤوم في الإفلات بالحلم.

سأهبط الآن. اقرأي "ذبابة في الحساء". سأشتري لك نسخة، قد تكفينا نشوة قراءة مثل هذه الكتب في هذه النسخة من الحياة.


- كتبت في  ٢٦ يوليو/تموز ٢٠١٧

الأربعاء، فبراير 15، 2017

اللارسالة الأولى - من أرشيف الرسائل


إلى رشا حلوة - ٩ أكتوبر ٢٠١١


الصفحة بيضاء.
أجل.. مضى عام أو أكثر ولا تزال هذه الصفحة بيضاء.


في كل مرة أشغل فيها اللابتوب البنفسجي.. وأقفز بحماسة إلى صفحة وورد أسكب فيها تفاصيل المساء أو بقايا ذكريات، تنسحب الكلمات برفق ودون سابق إنذار وتتركني إلى تثاؤب محتد أو رغبة شديد بالبكاء.. وتمضي.


هذا اللابتوب الصغير والخفيف الوزن اللي أهديته لنفسي في ديسمبر الماضي تنبؤاً بسفرٍ مستمر قد غدر بي أكثر من مرة.. وتآمر مع هذا البياض عليّ.. وكأن وقت الكتابة ينتهي كلما راودتني فكرة تستحق أن تقتل فراغ الصفحات.


اه يا صديقتي الجديدة.. طلبتِ أن أكتب لك رسالة، وهائنذا أستدعي الكلمات على مهلٍ.. أخادعها.. أعدها بمقابل كبير إن هي طاوعتني وسهّلت عليّ مهمتي. فمهمتي هذه صعبة يا حلوة. مهمتي أجهضتها الأوجاع أكثر من مرة، واستوقفها تشتت الزمان والمكان واللغة، ومن ثم أثقلها هول ما رأيت. وعلى سيرة "هول ما رأيت" تستحضرني الآن للمرة المليون الجملة الغنائية من كورال الأمثال الشعبية "الشيء إن زاد عن حده يتقلب ضده"، هي تختصر المنطق الذي يعمل به قلمي أو مؤشر الكتابة الإلكتروني، فهما يصابان بشلل طويل الأمد كلما اكتنزت أنا بالأفكار والأحداث والذكريات، وربما بشللهما هذا هما يطالبانني بغربلة عاجلة ودقيقة وحاسمة لما يعتمل داخلي، يطالبانني بأن أطلق سراح بعض المشاعر لتذهب في سبيلها بعيداً عني، لتتركني بحمل معقول يستطيعان هما استلامه عني والنزول به على هذه الصفحة البيضاء.

تمضي الأيام وأنا مشلولة. أحاول أحاول. أكتب سطراً وأعد نفسي بأن أرجع في الصباح الباكر لأدلي بشهادتي على أي شيء. على الأخبار السوداء التي تأتي كل ساعة. على شيكاغو الجميلة. عن ساقاي اللتان لا متعة لهما سوى الرقص. على علاقة حميمة سريعة مررت بها. أو. أو شهادتي على صورتي في المرآة والخطوط التي بدأت ترتسم ببطء وأناقة مبالغة تحت عينيَ.

منذ أكثر من عام وأنا أجرب أن أكمل الفكرة. أن أكمل الفقرة. أن أكمل السطر الأول. أن أفهم الكلمة. لكنني كلما جربت أن أكتب دخلت في تنويم مغناطيسي كذلك اللي جربته مرة في دبي. الكلمات ترتسم فجأة على شكل دهاليز وهي إما لا تقود لشيء أو أنها تقود لكل شيء: فقط، فقط لو أنني أجد الطريق.

هذه ليست رسالة. هذه شهادة على حالة العبث التي أمر بها منذ أكثر من عام. وربما، بل على الأرجح منذ انزلقت بفرح مؤجل من رحم أمي الحالمة. حالة العبث هذه تغير أبعاد الأشياء: رائحة الحب، الألوان، مذاق القهوة في الصباح الباكر، ووقع الموسيقى.. كلها تصبح أبعد بخطوة أو خطوتين، أو ربما أبعد بسنة ضوئية، أو كون بأكمله.

هذه أولى رسائلي لك يا حلوة. حاولت هذه الصفحة البيضاء، حاولتها لأجلك مرة أخرى، وسأحاول من جديد حتى تقرأي مني رسالة حقيقية. اعذري هذا الحزن ورسالة ملتبسة غير متعددة الوسائط، واستمعي جيداً للموسيقى الصامتة التي أرفقها هنا، هي تحكي الكثير.. الكثير.

الشوق
فرح