عبور

عبور
الصورة لسارة بينيو

السبت، أغسطس 04، 2018

عن الارتباك والقبول: أم وبنت وبينهما معبر رفح

نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس2017



عدت لبيتي بعد أن أوصلتها إلى المحطة الأولى في طريق عودتها لبيتها. كلتانا تحبان صُنع البيوت، كلتانا تحتفظان بأصغر الأشياء، تقتنيان الشمع، تأكلان ما أعشب في الأرض، كلتانا تحبان الحياة، بل تقاتلان من أجل الحياة.

لا نحب هذا الوداع، فبيتها الصغير كبيتي، ليس في الشارع المقابل، ولا في الحي المجاور، ولا حتى في المدينة الصغيرة على بعد ساعتين أو ثلاث. بيتها هناك، حيث ينصبّ ظلم العالم كله على الحدود وما وراءها بلا هوادة. بيت أمي هناك، في الطابق الخامس من إحدى بنايات شارع اللبابيدي في غزة.

قبلها بعدّة ساعات، كنت تحت الماء الساخن أتأمل بصمت زجاجات الشامبو المصطفة على طرف الحوض. لملمنا كل الأشياء وضغطنا الحقائب لتسع أغراضها القديمة والجديدة. لم يتبق سوى زجاجات شامبو الأطفال الذي تستخدمه؛ لن تأخذها معها. فكرت بأن ذلك أفضل، سأذكر أمي في الأيام القادمة كلما فاحت رائحة الصابون.

وَصلَتْ أمي القاهرة منذ شهر وسبعة أيام، بعد سنتين من الغياب. أربعين ساعةً قضتها بين الانتظار في الباص والنوم على أرض المعبر المصري والتقدم البطيء في الصحراء والتعطّل المتكرر على الحواجز وعبور النيل نحو المدينة المزدحمة البعيدة زمنًا وعذابًا (لا مسافةً)، حيث أسكن أنا، ابنتها. ومنذ يومين، جاءنا الخبر العشوائي دومًا بفتح المعبر، ومعه بدأت طقوس الوداع على عجل.

ليس للفلسطيني العابر من غزة إلى مصر اختيار متى يسافر ولا متى يصل ولا متى يودع أو يعود، مصيره معلّقٌ دائمًا في الهواء. ليسافر عليه تسجيل اسمه ضمن قوائم انتظار طويلة، وترقب دوره، والصلاة للحظة انفراج ما يُفتح فيها المعبر. وعندها فقط، وإذا كان محظوظًا فأتى دوره وكان اسمه ضمن القوائم الموافَق على مرورها من قبل الجهة المصرية، واستوفى جميع المتطلبات وأدى فروضًا باهظة الثمن في أحيان كثيرة، تبدأ رحلته الشاقة؛ يبدأ بالدعاء بأن تكون الرحلة أقل قسوة من توقعاته والأخبار التي يسمعها عن الطريق، وألا يضطر للوقوف لساعات على حاجز «الريسة» في العريش وغيرها من الحواجز، وألا تضيع أشياؤه وأوراقه وتتبعثر في كل مكان نتيجة التفتيش العبثي المتكرر. وأخيرًا، وبعد ساعات طوال، يصل المسافر إلى القاهرة أو إلى طائرة ستأخذه إلى عمل أو علاج أو زيارة مؤجلة للأحبة. وحين يريد العودة، لانقضاء حاجته من السفر أو لاضطرار ما، يبدأ الفلسطيني من جديد حالة الانتظار والترقب والأمل بأن يفتح المعبر. وحين يُفتح أخيرًا، يصلّي هذا المسافر التعس، هو وأحباؤه على الجانبين، أن يصل غزة حيًا سليمًا يُرزق.

تقطع خلوتي حين تحدّثني من وراء ستارة الحمام. أبتسم قبل الإجابة على أحد أسئلتها الكثيرة وغير الضرورية في الكثير من الأحيان. لا تزال بيننا تفاصيل حيّة من علاقة أم بابنتها، لا تزال رائحة عيشنا المشترك القديم قادرة على الانبعاث بين الفينة والأخرى، لكن ذلك لا يشفي ما فقدناه في سنوات البعد الطويلة منذ انتقلت للعيش خارج غزة، وتحديدًا في السنتين الماضيتين، حين لم نتمكن من اللقاء بسبب إغلاق المعبر لفترات طويلة، وصعوبة الطريق، وضياع فرص الخروج النادرة، وارتباطي بالعمل حيث لا يمكنني أن أخاطر بالسفر والغياب لأشهر حتى يُفتح المعبر فأخرج من جديد.

في البُعد، نكون امرأتين مستقلتين في بيتين منفصلين. تختفي موازين القوى وعلامات التاريخ. تعيش كل واحدةٍ في عالمها الخاص، تغوص في تفاصيل عملها، تنسج علاقاتها، تحتفي بنجاحها وتراجع مواضع فشلها، تبني أفكارها ونظرياتها عن العالم والنسوية والمجتمع، وتهتم بقلبها. وفي المساء، ترسل كلٌ منا صورة أو رسالةً قصيرة تطمئن بها على الأخرى في الجهة المقابلة.في اللقاء، المفاجئ طبعًا بسبب ظروف المعبر، تنكشف مساحة الاختلاف، وينمو الارتباك في محاولة استعادة مؤقتة وغير محددة المهلة لما نذكره عن العيش المشترك والطابع الحسي للأمومة والبنوّة. ندور حول البيت وحول بعضنا البعض بحركاتٍ سريعة متخبطة كلعبة الكراسي الموسيقية، بانتظار صافرة النهاية لتجلس إحدانا وترتاح.

"إن تجودي فصليني أسوة بالعاشقين، أو تضنّي فاندبيني في ظلال الياسمين"


منذ رجعت إلى البيت وأنا أدندن الأغنية، مستعيدة الساعات القليلة السابقة. صباح السفر تركتني أمي أوضّب حقيبتها، في اعتراف ضمني بمهارتي المتراكمة عبر سنوات من السفر والارتحال بين المدن والبيوت. جلست هي على الكنبة تكمل الصفحات المئة الأخيرة من رواية واسيني الأعرج الضخمة التي اشترتها من معرض الكتاب، وجلستُ بجانبها أرد على بعض الرسائل. حدّثتها لأول مرة منذ أتت عن نيتي في الكتابة أكثر. راجعنا خطوات اليوم حتى لا ننسى شيئًا، ثم طلبنا السمك المشوي، وأثناء انتظار وصوله استمعنا لصباح فخري يغني. ضحكنا كما كنا نفعل منذ طفولتي على فيديو له وهو يرقص في منتصف الأغنية، ثم بدأنا بالرقص معه. رقصنا سويةً لأول مرة منذ حضرت في احتفاء مكتوم؛ مهارتنا في الرقص لم تتأثر بالبعد إذن. الرقص أيضًا لا يزال يجمعنا.

الشهر المشترك لم يكن سهلًا. في كل مرة نفترق تبعد المسافة أضعافًا، نكبر في البعد أكثر. وهذه المرة كانت الأصعب بعد سنتين من الغياب. أمي كبرت، وأنا كبرت أيضًا. خذ امرأتين قويتين تعيشان بمفردهما، واحدةً في الستين والأخرى في الثلاثين، ضعهما في بيتٍ من غرفةٍ واحدة، بشكلٍ مفاجئ ودون مدة محددة، وانظر ما سيحدث.

في البدء اختبرنا مجموعة من المشاحنات اليومية المكثفة. كنت – ولا أزال – أستغرب من بعض ما تقوله أو تصنعه أمي، من هذه المرأة الستينية في مطبخي؟ في غرفتي؟ أمام مرآتي؟ متى أصبحت تحب المربّى بهذا القدر؟ بلا شك استغربتني هي أيضًا، وإن لم تعبر عن ذلك بوضوح، فمتى أصبحتُ أكره نور النيون لهذه الدرجة؟ لماذا لا أحب المربّى؟ تنازعتني نفسي بين الاختناق من الضيق المفاجئ في المساحة الشخصية وبين طاقة الحب والحنان التي أضاءت قلبي. ولم أنفك عن التعجب والإعجاب والاستفزاز في آن واحد من كم التشابه بيننا.

لقاؤنا بعد غياب أشبه بعملية استعادة جزئية بعد فقد، يتخللها بالضرورة بعض الحداد. في المسافة لا ندرك بالضبط ما الذي فقدناه، المحادثات الهاتفية والصور والرسائل القصيرة لا تكشف المتسرب من الأوصال. يخدعنا التواصل الإلكتروني، أما اللقاء فيعرينا ويعري كل ما جرّبنا، بوعي أو دون وعي، أن نخفيه عن الآخر.تمضي الأيام الأولى مع أمي في حالة حداد، إنكار وغضب ونشوة وفرح مفاجئ يليه حزن وتخبط. لكن مع الوقت – إن حالفنا بعض الحظ – نستعيد بعض الهدوء وننتقل ببطء لحالة القبول: قبول الفقد، قبول تقدّم العمر، قبول الاختلاف، قبول الطريقة الجديدة في العيش، قبول القرب الشديد والشفافية، مع الهشاشة التي تصاحبه، وقبول علاقة الأم والابنة من جديد. يغدو هنا الحديث أكثر انسيابية، ويصبح العيش المشترك أقل ضغطًا، والطبخ المشترك أكثر متعةً. شيئًا فشيئًا، تبدأ كل واحدة برسم منطقتها وفهم منطقة الأخرى، نبدأ بإعادة الاكتشاف.

إلا أن الوقت دائمًا ما ينتهي قبل أن نصل إلى نقطة «العادية»؛ تعلن السلطات المصرية فجأةً عن فتح المعبر، ويحدث هذا دومًا قبل أن نعتاد تمامًا على الترتيب الجديد، أو المستعاد، بلحظة واحدة. تنتهي حالة الاحتفال والحداد والتعوّد، تختفي الأيام الماضية ويختبئ القلق من الأيام القادمة ولا يتبقى لدينا سوى يوم أخير. امرأتان، صديقتان، أم وابنة، وبضعة ساعات لاكتناز الحب والرقص والأكل والموسيقى والأحاديث وحزم الحقائب.

فجر البارحة، قطعت أمي الصحراء الخطِرة من جديد لتعود إلى منزلها في غزة. ستغرق من جديد في روتينها وعملها الذي ستتمسك به حتى آخر لحظة من عمرها، فهي لا تعرف الجلوس دون حركة أو إنتاج. وأنا بدوري، عدت إلى منزلي في المدينة القاهرة، وسأغرق مثلها في تفاصيل عملي وحياتي، صداقاتي والازدحام وأحلام السفر وغلاء الأسعار. منذ سنوات، عندما اختارت كلّ منا مدينتها، كنا نعتقد أننا على بُعد «سفرٍ» فقط، كنا نعتقد أن غزّة والقاهرة هما أقرب نقطتين لخطّ موصولٍ بيننا. لم نكن نعلم ما ينتظرنا من مسافات مضاعفة وتعقيدات سياسية وطوابير انتظار وتنسيقات ومخاطر طريق.

اليوم هو الثامن من مارس. أفكر أن المعبر انفتح في وقت مناسب لتستيقظ أمي في بيتها وتشارك في احتفالات وأنشطة يوم المرأة العالمي كما تفعل كل سنة. بعد شهر منقطع عن العمل أتخيل صوتها الذي تربيتُ عليه، يصدح في الندوات والاجتماعات والشجارات والحملات المدافعة عن حقوق النساء.

أما أنا، فاستيقظت اليوم وحدي دون صوتها وحركتها، أعددت الفطور الذي أحبه، وغيّرت ملاءات السرير، وجلست أكتب هذا النص، تتنازعني نفسي بين ثقل الصمت والوحدة، وبين الاستقلال بمساحتي الشخصية من جديد، وبين انتظار اللقاء القادم بكل ما يحمله من شوق وحب وفقد ومواجهة وحداد وإعادة اكتشاف.

*نشرت هذه المقالة بالعربية على موقع مدى مصر بتاريخ 8 مارس 2017

**في السنة التالية، أعادت مدى مصر نشر المقالة بالإنجليزية في نفس التاريخ 8 مارس 2018، ترجمة ناريمان يوسف

 

الاثنين، فبراير 26، 2018

الكلمة المستعصية على النطق

نشر النص في مجلة رمّان الثقافية بتاريخ 06 فبراير 2018
 

استيقظتْ أخيرًا بعد تكاسل ساعتين، على السرير الذي بات لها وحدها الآن، والملاءة الصفراء التي طالما تشرّبت بعرقهما. فتحت عينيها وتسارعت دقّات قلبها لبدء يومٍ جديد. عدّلت وضعية استلقائها، رفعت رجلاً فوق رجل، القدم اليمنى استقرت على الركبة اليسرى. من هنا، كانت ترى كل شيءٍ مرتين، مرةً أمامها ومرة في المرآة الكبيرة على الحائط مقابل السرير. في قدمها اليمنى خلخالٌ بسيط؛ خيطٌ واحدٌ لا رفيع ولا سميك من الفضّة الغامقة، ومربّعٌ صغيرٌ يتدلى بعبارة "امسك الخشب".

في هدوءٍ استلقت تتابع دقّات قلبها، يدهشها دومًا كيف يفور الدم في عروقها لحظة أن تفتح عينيها. تقارنه بمولودٍ حديثٍ تأذنُ الحياة لرئتيه بالعمل فور خروجه من الرحم. وهي من رحم النوم، الموت المؤقت والأحلام، تخرج كلّ صباحٍ جاهزةً لأنفاسٍ جديدة.

كعبُها هناك آخر الخلخال. كعبها المتعب من مشي الصيف الطويل في بلدٍ غريب. كعبها الذي أخبرها عشاقها السابقون جميعًا بأنه ناعمٌ كخدٍّ حنون، لم يعدْ من السفر الأخير سالمًا؛ خدوشُ الطريق، خشونة القلب، وثقل جسدٍ مُضنى بالجراح والأفكار.

كانت ترى كل شيءٍ مرتين. وقف خلفها أمام هذه المرآة مراتٍ كثيرة. في أحيانٍ احتضنها. وفي أحيان، ترك قبلةً على بطنها أو علّق على نقصان وزنها أو اختال بجسده المشدود وصدره الواسع. وفي أحيانٍ، كانت ذراعاه على خصرها، يثبّت وقفتها، صدره المتعرق يبلّل ظهرها، يراقب وجهها، تموء وتتلوّى لما يفعله بها. يتعاقب عليها بتصميم، وهي تلفّ وجهها بكل ما تستطيع من مرونة لتخطف قبلة حيوان هائج. كانت ترى كل شيءٍ مرتين، لكنها تشكّ الآن في ما رأته. هل حدث ذلك أمام مرآةٍ أخرى؟

تتحسس الملاءة الصفراء. تستثيرها نسائم الخريف، هي التي قررت منذ مدّة التخلي عن الملابس الداخلية أثناء النوم. جسدها بحاجةٍ لأنفاس جديدة كل يوم أيضًا. تتحسّس الملاءة الصفراء وتضيق أنفاسها شيئًا فشيئًا. صور قبيحة ترسلها المرآة إليها الآن، تخطر على بالها كلمةٌ واحدةٌ لا أكثر ولا أقل، تفكّر فيها ولا تنطقها أو تكتبها.

لأشهرٍ كان هذا أول ما تفكّر به كل صباح. تسأل نفسها عن الكلمة، وتستعجب لأنها لا تجد تعبيرًا آخر عنوانًا لحكايتها. الأصوات الساكنة في الرأس تتجادل. تتفلسف. تتقارع لتحلّل معنى الكلمة، درجاتها، إمكاناتها، ومدى مناسبتها أو مطابقتها لما حدث، لما تشعر به. لكنها وهي تلتقط أنفاسها الضيقة تدرك أنها على حق.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة التي ضاجعته فيها بكلّ ما أوتيت من غضبٍ وحزنٍ وذهول، وعلى نفس الملاءة الصفراء. بكل ما حملته من غريزة الحيوان امتطته وتركت له جسدها ليمتطيها. عضّت شفتيه وغرزت أظافرها في جلده، صرخت حين ولجها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ قد مرّت على وجودهما معًا.

تركّز هي في التواريخ والذكريات، وفي الكلمات. تتمنى أحيانًا لو أنها لا تذكر، لو أنها حقًا تنسى أعياد الميلاد وتواريخ المحادثات والزيارات والقبلات المسروقة والمواجهات البائسة؛ تحملها حجرًا ثقيلًا على صدرها. تتمنى حقًا لو أنها تفقدُ تلك الكلمات التي صادفتها يومًا. كلماتٌ كثيرة، كلماتٌ يومية، كلماتٌ بخط اليد، كلماتٌ من نرجسيةٍ صافية تروي تفاصيل خدعة كبيرة. الكلمات تصنع جملًا، والجمل تنحفر على عدستي عينها، وتحملها كحائط صدّ ضد كل محاولات النسيان.

كان هو يذكر أيضًا. كان يذكر ما يريد، ولا يحتفظ بالذكرى لنفسه. كان يذكر، ويفرض الذكرى عليها. يعيدها مربعاتٍ إلى الوراء. عليها أن تذكر. عليها أن تظلّ هنا أمام مرآتي المفضّلة ريثما أخرج في رحلات صيدي الطويلة ثم أعود نظيفًا كأن ما جرى شيء.

تسترجع تلك الليلة بوضوح في ذاكرتها الآمنة الآن، لم يعد هناك ليُقحم ذكراه عليها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ مرّت على وجودهما معًا. كان يَلجها وكانت تذوب في الذكرى كحضنٍ أخير قبل وداع مهاجرٍ لن يعود. كان يَلجها، وكانت تكرّ الأيام في رأسها. كرّت المرّات الساحرات، الرسائل والهدايا، تجاربها لقمصان النوم الخليعة، زوايا البيت جميعها التي عرفت رائحة الشهوة بينهما. كان يَلجها وكانت تدمع إلى أن انتهى داخلها.

كانت تحبّه، تفكّر اليوم وهي تتحسس تلك الملاءة. كانت تحبّه، وكان يصيبها بالذهول مرّةً بعد مرّةً. كانت تحبّه فتكلّمت بهدوءٍ مدروس. كتبت ما ستقوله في اليومين السابقين. تمرّنت أمام المرآة طويلاً لكي لا تضلّ الطريق.

كان مرتاحاً بعد لهاثٍ على الوسادة. الضوء أصفر خافت، رأسها بمحاذاة رأسه، عيناها تحدقان فيه، يدها ترتاح على بطنه الحبيب، وقطرات العرق تنحدر منهما، بنفس البطء، على الأصفر الممتد تحتهما.

كانت تحبّه فتكلمت بحذر، وكان شاخصًا ومذنبًا فاعتذر. لم تنطق الكلمة حينها. سمّت ما حدث كلّ اسمٍ ممكن عدا تلك الكلمة. أبقتها بعيدةً عن لسانها، قلبها، دموعها، وسريرها، لتبقى هي ويبقى هو. كانت كلمةً واحدةً فقط، لكنها أدركت أن النطق بها سيغير كلّ شيء فصمتت. تلقّت اعتذاره بالدموع. تلقت وعده بالأمل. تلقت قبلاته وولوجه مرّةً أخرى بالسماح. كانت تحبّه فصدقت بالحب أكثر مما صدّقت نفسها. صمتت.

صمتت هي وحاولت معه من جديد. وصمت هو ليحتفظ بصورتهما أمام المرآة أطول وقتٍ ممكن. صمت عن الكلمات المكتوبة فقط. لم يكترث حقًا، كما لم تكترث هي، لقلبها. ولمراتٍ ومراتٍ بعدها، ظلّ يغادر ويعود، ويغادر ويعود، مورّمًا شفتيه بشفتيها، معريًا صدره الواسع المكتنز بالأكاذيب.

الشمس تستوي في السماء خارج نافذتها، والريحانة تطلّ من نفس النافذة عليها، تطلب الماء والعناية، وهي ما تزال تحدّق في المرآة. تنظر للخلخال. تتبع الظاهر من جلدها. القدمان فالساقان فالفخذان. تتخيل الباقي تحت قميص النوم البنفسجي حتى رأس صدرها. وحدها في السرير هذه المرّة. على نفس الملاءة، امرأةٌ أخرى الآن، دون دموع ودون خوف ودون صمت. تتنفس فقط وتفكّر.

مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة، ومرت الليالي ليلةً ليلةً على كل ما تلاها. هي الآن بعيدة، تتمدّد في الصباح، وتكتب قصّتها دون حذر. تشعر بالصّدق يملؤها، والتصديق بقلبها شفاؤها.

تكتب قصتها باختصار. لا تحتاج لدلائل أو براهين وقلبها موجود. لا تحتاج للإقناع لتحكي ما عاشته. لن تكفي أية تفاصيل لشرح ما حدث.

تكتب قصّتها بهدوءٍ ورضا. تسميها "خيانة". وتدرك أنها تصنع النهاية اللائقة بكلّ ما حملته من حبّ وكلّ ما أضاعه من أمل.

الأحد، أكتوبر 01، 2017

ذبابةٌ في السماء




حبيبتي سمر

أنهيت لتوي، على طائرة عائدة من ميونخ، سيرة الشاعر تشارلز سيميك "ذبابة في الحساء". نقلتها إلى العربية الشاعرة المصرية الأقرب لقلبي إيمان مرسال. كنت بدأت بالاعتقاد أن هذه السيرة لن تنتهي وأنني لن أقرأ كتابًا آخر هذه السنة. بدأته في بداية فبراير الماضي، حين كانت أمي تزورني في القاهرة، كان وقتًا صعبًا -وما زال-، ولم أتمكن من هجر الكتاب لفرط جماله ولم أتمكن من إكماله قبل هذه اللحظة لفرط تشتتي.

على الطائرة اليوم وأنا أقترب من النهاية كان قلبي يذوب، لقد أصبح الكتاب مثل حبيب غائب لا أعرف متى يفاجئني بنفحة حب، والمفاجآت اليوم كانت كثيرة. يتسارع جمال الوصف والتعبير والشعر مع اقترابك من الغلاف، تودين الالتفات للخلف والعودة مرة ثانية، إلى حضن الحب والشعر حتى وإن كان الحبيب غامضًا والشعر عزيزًا. أعلّم تحت بعض السطور، أود أن آخذها معي أينما أكون. أتأمل فيه، في كل قراءاته، في كل اقتباساته من الشعر والتاريخ والفلسفة، تصيبني نشوة، لا، نشوات متتالية، أفكر بأني أريد أن أقرأ هكذا وأن أفهم الدنيا هكذا وأن أكتب شعري وسيرتي يومًا ما هكذا.

تصيبني رغبة عارمة بتحطيم الموبايل والانكفاء داخل العزلة. عالمنا معقد جدًا، مُربكٌ جدًا، وأنا في لحظةٍ حرجةٍ تمامًا من تاريخي الشخصي وسط تاريخ قبيح يكتب ويزوّر لهذا العصر. تجاوزت أيام الدراسة والعشرينات من عمري، لكنني بعيدة عن الستينات التي ربما أجلس أثناءها على شرفة وأقرأ أو أكتب دون خوف.

هل سأتخلص يومًا من خوفي يا سمر؟
هل سيزورني الحماس والشغف من جديد ولمدة أطول قليلًا أتمكن معها من تحقيق شيء؟
هل سأكتشف معنى الإيمان يومًا؟

أنا مليئة بالأحلام يا سمر، تتبعها اختناقات صغيرةٌ في عمق صدري لما أدركه من تاريخي المشؤوم في الإفلات بالحلم.

سأهبط الآن. اقرأي "ذبابة في الحساء". سأشتري لك نسخة، قد تكفينا نشوة قراءة مثل هذه الكتب في هذه النسخة من الحياة.


- كتبت في  ٢٦ يوليو/تموز ٢٠١٧

الأربعاء، فبراير 15، 2017

اللارسالة الأولى - من أرشيف الرسائل


إلى رشا حلوة - ٩ أكتوبر ٢٠١١


الصفحة بيضاء.
أجل.. مضى عام أو أكثر ولا تزال هذه الصفحة بيضاء.


في كل مرة أشغل فيها اللابتوب البنفسجي.. وأقفز بحماسة إلى صفحة وورد أسكب فيها تفاصيل المساء أو بقايا ذكريات، تنسحب الكلمات برفق ودون سابق إنذار وتتركني إلى تثاؤب محتد أو رغبة شديد بالبكاء.. وتمضي.


هذا اللابتوب الصغير والخفيف الوزن اللي أهديته لنفسي في ديسمبر الماضي تنبؤاً بسفرٍ مستمر قد غدر بي أكثر من مرة.. وتآمر مع هذا البياض عليّ.. وكأن وقت الكتابة ينتهي كلما راودتني فكرة تستحق أن تقتل فراغ الصفحات.


اه يا صديقتي الجديدة.. طلبتِ أن أكتب لك رسالة، وهائنذا أستدعي الكلمات على مهلٍ.. أخادعها.. أعدها بمقابل كبير إن هي طاوعتني وسهّلت عليّ مهمتي. فمهمتي هذه صعبة يا حلوة. مهمتي أجهضتها الأوجاع أكثر من مرة، واستوقفها تشتت الزمان والمكان واللغة، ومن ثم أثقلها هول ما رأيت. وعلى سيرة "هول ما رأيت" تستحضرني الآن للمرة المليون الجملة الغنائية من كورال الأمثال الشعبية "الشيء إن زاد عن حده يتقلب ضده"، هي تختصر المنطق الذي يعمل به قلمي أو مؤشر الكتابة الإلكتروني، فهما يصابان بشلل طويل الأمد كلما اكتنزت أنا بالأفكار والأحداث والذكريات، وربما بشللهما هذا هما يطالبانني بغربلة عاجلة ودقيقة وحاسمة لما يعتمل داخلي، يطالبانني بأن أطلق سراح بعض المشاعر لتذهب في سبيلها بعيداً عني، لتتركني بحمل معقول يستطيعان هما استلامه عني والنزول به على هذه الصفحة البيضاء.

تمضي الأيام وأنا مشلولة. أحاول أحاول. أكتب سطراً وأعد نفسي بأن أرجع في الصباح الباكر لأدلي بشهادتي على أي شيء. على الأخبار السوداء التي تأتي كل ساعة. على شيكاغو الجميلة. عن ساقاي اللتان لا متعة لهما سوى الرقص. على علاقة حميمة سريعة مررت بها. أو. أو شهادتي على صورتي في المرآة والخطوط التي بدأت ترتسم ببطء وأناقة مبالغة تحت عينيَ.

منذ أكثر من عام وأنا أجرب أن أكمل الفكرة. أن أكمل الفقرة. أن أكمل السطر الأول. أن أفهم الكلمة. لكنني كلما جربت أن أكتب دخلت في تنويم مغناطيسي كذلك اللي جربته مرة في دبي. الكلمات ترتسم فجأة على شكل دهاليز وهي إما لا تقود لشيء أو أنها تقود لكل شيء: فقط، فقط لو أنني أجد الطريق.

هذه ليست رسالة. هذه شهادة على حالة العبث التي أمر بها منذ أكثر من عام. وربما، بل على الأرجح منذ انزلقت بفرح مؤجل من رحم أمي الحالمة. حالة العبث هذه تغير أبعاد الأشياء: رائحة الحب، الألوان، مذاق القهوة في الصباح الباكر، ووقع الموسيقى.. كلها تصبح أبعد بخطوة أو خطوتين، أو ربما أبعد بسنة ضوئية، أو كون بأكمله.

هذه أولى رسائلي لك يا حلوة. حاولت هذه الصفحة البيضاء، حاولتها لأجلك مرة أخرى، وسأحاول من جديد حتى تقرأي مني رسالة حقيقية. اعذري هذا الحزن ورسالة ملتبسة غير متعددة الوسائط، واستمعي جيداً للموسيقى الصامتة التي أرفقها هنا، هي تحكي الكثير.. الكثير.

الشوق
فرح

السبت، فبراير 11، 2017

رسالة إلى تنينٍ صغير: مرثيّة لطفولتي في الشام

نشرت على صفحة رمّان - بوابة اللاجئين الفلسطينيين بتاريخ 11 فبراير 2017

تنيني الأحمق الصغير
أين تكون الآن؟
في أي أرشيف
والمدينة احترقت؟

أي الشاشات
تذكر عرضك
وقد تغيّر شكل التلفزيون
عدة مرّات، منذ عرفناك؟

أي العيون تذكرك
وكثيرون ممن شاهدوك معي
كل مساءٍ
في الرابعة عصراً
أمسوا سجناء
أو شهداء
أو لاجئين 
أو موتى على الشواطئ
أو جلادين
يقتلون ذكرياتنا
وذكرياتهم أيضاً
في فرنٍ كيماوي كبير؟


أذكر طيفاً لك
وأتساءل
لماذا لم أبحث عنك
على "يوتيوب"، قبل الآن؟
فلا بد من أن هناك من 
حاول إنقاذك
من الاكتئاب
أو الضياع

"أبي أبي.. أريد العمل في الإطفاء"
كنت تغني
وكنت أخضر
مبتسماً
وأحمقاً
كقلبي
وقلوب محبيك

وكان أبوك حكيماً:
"هذا عملٌ فيه عناء"
يعرف أن النار
عماد الكون
أم الأسماء
والأشياء

كان يخمّن،
سيأتي يوم
نبحث عنك
لتشعلنا
تحرّكنا
وتضحكنا
حين تطفئنا سجون التعذيب
وماء البحر
وتقارير القتل
وأحلام الهجرة العابثة

وقد آن الوقت
-منذ وقتٍ-
يا تنيني الأحمق
يا طفولتي الحلوة
فانهض
من قبو الأرشيف العتيق
إنت كنت مثلي، 
محظوظاً، حياً،
وامنحني
وأصحابي المجانين
جناحيك الصغيرين
وشعلة نار
تدفئنا في هذا الشتاء العصيب
وتوقد نارنا
للمعارك المقبلة

*التنين الصغير Grisu: مسلسل رسوم متحركة إيطالي عُرضت النسخة المدبلجة منه على عدة شاشات عربية في النصف الثاني من الثمانينات وبدايات التسعينات، ومنها التلفزيون السوري. (أغنية مقدّمة المسلسل)
يحكي المسلسل قصة صغير اسمه "جريسو" أراد بشدة أن يصبح رجل إطفاء، على عكس والده الذي يحب إضرام النار ويتمتع بإشعال الحرائق. كان الأب يحاول أن يثني جريسو عن حلمه في إطفاء الحرائق لأن ذلك يضرّ بسمعته كتنين مشعل للحرائق. طيلة المسلسل يحاول جريسو المساعدة في إطفاء الحرائق لكنه يتسبب دون أن يقصد في إحراق بعض الأشياء مما يزيد الأمر سوءاً. 

الثلاثاء، فبراير 07، 2017

تذكرة لمن يظنّ أن الحب خالٍ من الأنانية/الذاتية


"الحب في جزء كبير منه أناني أو ذاتي بمعنى أدق وفي جزء كبير منه عطاء، لما واحد يكون بيصطفي لنفسه حب من حد تاني وبيمنح نفسه الحق إنه يدوب بهالحب وينتظر منه راحة وأمان وبناء ما، ما بيعمل هيك وبس، بيعمل هيك مع الشخص اللي حاسس إنه حينفع معاه هالشي. والأمر فيه حسابات ذاتية جدا، سواء في البدء أو في الانتهاء. وفي جزء من الذاتية هاي ممكن يكمل لما بعد العلاقة.

وفي نفس الوقت التعلق شيء جميل جميل جميل، بس موجع جداً، وعميق ضارب في جذور الروح. إنك تخزن ذكريات مع حد، تقطرها وتحفظها وتكبرها وترجعلها حضن ودفا وفهم وارتياح.

وفي الافتكاك من التعلق في طلوع روح من جسد، في وداع وفي احتمالات صعبة، في إعلان بإن الذكريات هاي مش حتكون الأهم، والحب هاد احتمال ميكونش الأهم، والحضن هاد مش حيكون الحضن. وإنك حتطلع من بعيد، من الضفة التانية لنهر العلاقة وتقول ياه وتبتسم بس تكمل في حياتك واختياراتك الجديدة."

مقاطع من رسالة كُتبت ولم تُرسل
٦ ديسمبر ٢٠١٦

السبت، ديسمبر 31، 2016

رأس سنة


كنت أرغب بأن أكتب: مع السلامة أيتها الصعبة القاسية
كم كنت أرغب في ذلك، أملاً في الأسهل الحنون
لكنني فكرت في السنوات الماضية
أخذت أبحث عن السهل الحنون مقابل الصعب القاسي، ولم أجد شيئاً في جعبة الذاكرة
فكرت بأن العالم لا يتغير حقاً في عمرنا القصير.
كالطرقات الوعرة، كالجبال التي تثلج كل سنة وتمنحنا المياه الباردة في الصيف، كطعم الفاكهة، كمجمل قصص الحب والأيام الأخيرة للموشكين على الموت، كالحروب التي لا تنتهي، العالم لا يتغير -لهذه الدرجة- في عمرنا القصير.

فقط نصبح أكثر خبرةً في عبور الممرات الضيقة، وأكثر معرفةً بالحفر والتضاريس داخل الطرق التي تعثرنا فيها سابقاً، فيصبح الصعب القاسي القديم، ذلك الذي أبكانا وأدمانا، يصبح سهلاً حنوناً في المرات التالية.

ولأننا محظوظون، من بقي منا على قيد الحياة على الأقل، ولأننا منكوبون بنفس القدر، هناك طرق جديدة تنفتح أمامنا كل عام. طرق لا نعرفها ولا نفهمها بعد، طرقً لم تتدرب أرجلنا على السير فيها.
ولأننا بشريون، نفضّل اليقين على المجهول، سنظنّ بأن الجديد القاسي صعب، حتى نقع منهارين ثم نقوم، ثم نلعن الساعة، ثم نصبر، ثم نعرف، ثم نصير خبراء ثانية في الطريق الجديد.

سنحب أن نزايد على الصعوبة والقسوة، سنحب أن نبحث في الماضي عن سنة أصعب أو أسهل لنخفف على أنفسنا عبء التحدي الجديد؛ الخوف الجديد والتخبط الشديد الذي يرافقه، أو لنمنطق عدم شعورنا بنفس الصعوبة في إحدى التجارب. لكننا إن نظرنا حقاً سنجد السهل والصعب وجهان لعملة واحدة تفرقهما الخبرة والتجربة.

أود أن أقول، وداعاً أيتها الصعبة أملاً في السهل الحنون
لكنني أتذكر أنني محظوظة بالحياة وبالتجربة وبعض النجاح وبعض الفشل
وأفكر بأن الجديد صعب أحياناً، لكنني لا أريد أن تحرمني الحياة من الجديد

كل عام وإحنا بنوقع ونقوم، وحوالين بعض في الصعب والسهل، في الحل والترحال