عبور

عبور
الصورة لسارة بينيو

السبت، فبراير 18، 2012

غرفة العناية المركزة

رواية كئيبة يا صديقيرواية كئيبة هذي التي تريدني أن أكتب لك رسالة مطوّلةً أو قصيرة عنها. هذي التي أمضيت شهراً كاملاً أحاول إنهاءها. هذي التي أنهتها صديقة أخرى (وخرّيجةٌ مثلي من نفس الكلّية التي نتشاركها مع الكاتب*) في ظرف ازدحامين مروريين داخل شوارع القاهرة. هذي التي تريد قراءتها مرة أخرى. أو أكثر.
رواية من أربعة فصول لا تنتهي ولا تريد أن تتركها. رواية تجري سريعاً. أحداثها نقطة زمنية مطاطية مغمورة بالذكريات. تجري سريعاً ثم لا تلبث تدرك النهاية المقطوعة الأوصال. تقع في شركها. تصل لنقطة البداية من جديد دون أن تنتبه وتقفل الغلاف الخلفي بألم أو خيبة متوقعين. تترك الغلاف مدركاً كم نبشت تلك الفصول وتلك التفاصيل أجزاءً من روحك وبعض حكاياتك التي كنت قد أهلت عليها التراب بنيّة وداعٍ أخير.
رواية جميلة يا صديقيهاتي التي نصحتني بأن أقرأها. هاتي التي تلاحقني في كلّ يوم لتحرضني على إنهائها. هاتي التي تترقب رسالتي لك عنها. أنهيتها اليوم. أرحْتُ الغلاف الخارجي. وقررت أن أكتب ما طلبته وما تطلبه روحي وما تدفعني إليه أصابعي التي احتضنت ذاك الغلاف لشهر وبضعة أيام.
رواية حين تريحها على الطاولة المواجهة لك تؤلمك ذراعك. أجل ذراعك من عند الكتف. تلك الذراع التي شعرت بألمها المتكرر والمخنوق لثلاثة فصولٍ متتابعة لتنتهي للفصل الرابع إلى استراحةٍ غريبة. استراحةٍ مزيفةٍ تعفيك من ألم الجسد لتسلمك إلى ألم الروح. ألم الغربة بأقسى أنواعها، غربتنا داخل أوطاننا. الغربة التي تنخر في العظم ولا تريحك إلا لقبرك أو لهجرةٍ تزرعك في غربة بديلة.
أكذب. أكذب عليك أو عليّ أحياناً. ربما لا تكون غربةً على الإطلاق. أفكر بأن الوطن لم يعد هنا أو هناك. الوطن لم يكن ولن يكون ما علموناه. هو بالتأكيد ليس ما قالوه لنا عنه. ليس تلك الأرض الحارقة للأخضر ولنا. ليس ذلك الهواء الأسود الذي يلطخنا بشكل يومي ويتركنا مصابين بعدوى السقم والذنب والخيبة.
لماذا لا نهاجر؟ لماذا عاد نشأت غالب إلى مصر؟ لماذا لم يدرّس في السوربون ويعطي حبّه لأحدٍ وينجب أطفالاً أجمل منه ومنا؟"عدت، لأن هنا هو المكان الوحيد الذي لا يفترض أن أبرر فيه سبب وجودي. لأني أشعر بأن هذا المكان لي"، يقول نشأت وأضحك بأسىً عليه. يكذب هو الآخر. فهذا المكان هو نفسه الذي وجّه له أقسى اللطمات. هو آخر مكان سيذكره بعد أن تستهلكه الظلمة وانعدام الأوكسجين في احتباسه داخل المبنى المتفجّر.
"يا قاتلة"ترن هذه الكلمة في رأسي. تشوّشني. صداعٌ يكاد يقسمني.
بعد أن تمرّ بصراعات العميد أحمد كمال والصحفي أشرف فهمي ومن بعدهما داليا الشناوي المحامية، كلٌّ منهم ملقياً عليك أسئلةً كثيرةً ونظريّاتٍ عديدة ودروساَ في الحياة وفي الحب والصداقة، يأتي نشأت غالب. يأتي من ظنناه محامياً فاشلاً ليقطع هذه الأسئلة بالنار التي تحرق قلبه. "يا قاتلة". يسلطها بتكرارٍ موجع على داليا، حبيبته السابقة، تلك التي تستولي على كل نسائه وتحلّ محلّهن. وفي نفس الوقت يسلطها عليك. وعلى بلده. تلك القاتلة. تلك التي نحبها وتقتلنا.

رواية ساخرة يا صديقي تسخر منا لما نراه كلّ يومٍ ولا يستوقفنا. تسخر من قصص حبّنا. تسخر من أحاديتنا وافتقادنا لفهم الآخر أو الاستماع إليه. تعرينا. تجلدنا. يجد كل منا نفسه في تفصيلةٍ صغيرة داخلها أو قد تلتبس عليه ذاته في مواجهة إحدى شخصياتها. تجلدنا تكراراً. ينهال علينا الإسمنت مرةً أخرى. تؤلمنا ذراعنا من عند الكتف مرةً بعد مرةٍ. نرى كلّ شيءٍ مرة أخرى. نتساءل عن رجال الإسعاف مرةً أخرى. يغيب عنا الهواء مرةً أخرى، ويدٌ صغيرةٌ تمسك بيدنا مرة أخرى، ثم قفزةٌ شاسعةٌ تنتشلنا من سوادنا مرة أخرى، وينفتح باب المصعد ليكشف عن وجه حبيبتنا، مدينتنا، غربتنا، ومشاكلنا، قبل أن ننهال على أنفسنا ونتدحرج للقاع مرةً أخرى.
أنهيت الرواية أخيراً. ولا أريد أن أعود إليها قريباً. تخيفني هي. كما يخيفني السؤال التي تركتني هي له قبل أن أترك غلافها الخلفي لهدأةٍ يستحقها. ماذا عنّا يا صديقي؟ كيف نواصل العيش في غرفة العناية المركزة؟

فرح برقاوي
بيروت
*رواية غرفة العناية المركزة للكاتب د.عز الدين شكري فشير، دار الشروق، 2011

السبت، فبراير 04، 2012

تأملات في الخراء

لا بُدّ وأنني في كل مرة أشدّ فيها على مقبض السيفون بعد إحدى جلسات التأمل أتنهد.

لا بُدّ وأنني أفكّر ككل مرةٍ بما حدث. بكم الخراء الذي انفلت من جسدي أو الذي عملت جاهدةً لدقائق لا أعدّها على طرده مني.

لا بُدّ وأنني أحدق به لبضع ثوانٍ قبل أن أطلق للسيفون العنان معلنةً خلاصي التام من كل ما كان فائضاً/ضاراً/مزعجاً/خانقاً/مُلحّاً داخلي.

لا بُدّ وأنني أنظر لحجمه وهيئته وأحاول تذكر ما أكلته في الليلة السابقة أو التي سبقتها لأجد تفسيراً للصورة المترامية أمامي في قاع كرسيّ الحمام الأجوف.

لا بُدّ وأنني في كلّ ثانيةٍ من تلك اللاتي تعبرن بين لحظة القبض على القطعة الحديدية أعلى خزان المياه وبين اختفاء صوت اندفاع وانحسار الماء في قاع الكرسي، لا بُدّ وأني أمارس فنّ الدعاء النادر لكي يبتلع الكرسيّ وجميع أنابيب الصرف الصحيّ هذا الخراء الخارج مني بشكلٍ كافٍ دون أن يتركوا أي أثر.

بالأحرى، أنا أدعو هذا الكرسيّ العجيب ليشدّ من همّته، لأن يشحذ جميع قواه، لأن يمارس سحره ويخلصني أنا ومن حولي من هذا الخراء الكبير الذي خرج ليقبع مقابلي في درجةٍ ملاحَظةٍ من التحدي.

لا بُدّ وأنني في كلّ مرةٍ أيضاً أرسل نظرة ساخرة قبلما أمدّ يدي إلى المسكة الحديدية. نظرة ساخرةٍ أو نظرة إدراكٍ في لحظةٍ جِدُّ حقيقية. نظرةٍ لهذا الخراء ولنفسي ولتحولاتي من بعده. نظرةٌ تغدو فكرةً أو تفكّراً في الخراء الأصيل. الخراء الحقيقي الكامن في أجسادنا. الخراء الذي لجبروته بِتنا نراه أو نحسه أو نعيشه كلما ضقنا بفكرةٍ أو عاطفةٍ أو شخصٍ أو مكانٍ أو صورةٍ أو صوتٍ أو رائحةٍ أو قائدٍ أو قضيّةٍ.

لا بُدّ وأنني أرسل نظرةً هازئةً أو نظرة إدراكٍ لأنني في كل مرة أقترب من الإيمان بأن الخراء برغم جبروته ضعيفٌ. ضعيفٌ بكل ما يفوح به، بكل ما ينقله من أمراضٍ، بكل ما يؤلمنا به بعض الأحيان. الخراء ضعيفٌ لأنه خسر المعركة، لأننا مستعدون لبذل جميع السبل للفظه دون توانٍ أو تخاذل أكثر من أي شيءٍ في حياتنا. ربما.

الخراءُ مريحٌ. فهو إن أصبح خارجنا تغدو الحياة متاحةً. الخراءُ جميلٌ.

أفكّرُ بأنني في كلّ مرةٍ أرسلُ ابتسامةً راضيةً. أقول لنفسي بأنّ الخراءَ جميلٌ فهو يفاجئنا كلّ مرة مثل النشوة حين تحاصرنا وتفرج عنّا في بضع ثوانٍ. بأنّ الخراء هو الآخر غريزيٌّ حميم وأنه علينا أن نحبّه أكثر.

فرح برقاوي

بيروت

الاثنين، يناير 30، 2012

الصوت يحيط بي من كلّ جانب

أنا والكأس الحمراء في هذه الفسحة الضيقة المعبأة بالدخان
بعضه يُنفث في وجهي أو شعري من المحيطين بي
لكننا وحدنا. أنا والأحمر الذي روى "مارك" مدير المكان قصة عنه عندما كنت لا أستمع حقاً.
وحدنا أنا وهذه الكأس، نمتص بعضنا، نشتفّ مزازتنا، كلّ منا يترك في الآخر نَفسَه، يرسله لبرهة ويعود.

الصوت يحيط بي من كلّ جانب
الصوت يتصاعد في هذه الفسحة الضيقة كلّما ضرب "موريس" بإصبعه على اللوحة السوداء مقابله هناك في الزاوية. اللوحة ليست سوداء تماماً، أراه ينحني بصدره على أزرق وأحمر أيضاً. ومع كلّ انحناءة، مع كلّ اهتزازة جسد، مع كلّ نقرة يد أو نبضة موسيقى أنا وهذي الكأس نقترب، نتقارب، نتماهى. تصير أنا.
أصير شراباً أحمر قانٍ للعاشقين على موائد عشاءات تشتعل بالرغبة، بالصمت المربك، بالكلام المربك أكثر، بالنظرات الحائرة والمركّزة في آن، باللمسات المتخبّطة المتعثرة.

الصوت يحيط بي من كلّ جانب
الصوت يعلو/يرتفع/ينبض. كل ما أسمعه هو نبض كأس فيها روحٌ تتقمصني.
أنا هي هاتي الكأس بانحناء أنوثتها، بطعمها المستعصي على الفهم، برقصها في الرأس والجسد.
أنا هي هاتي الكأس الحمراء الساكنة على طاولة في هذه الفسحة الضيقة المحاطة بالصوت الذي يعلو في الرأس ويكبر. المحاطة بالصوت الذي يصبح مهيأً للرقص كما يرقص الأحمر المسافر بين أصابعي إلى شفتيّ المشتاقتين.

الصوت يحيط بي من كلّ جانب
أنا وهذي الكأس وشعري نصبح ثلاثتنا وحدنا. نعبّ من الدخان والصوت المنهالين علينا من كل زاوية. شعري بحلقاته الهائجة يستنفر، يمتص هذه الرائحة المزعجة كما تتنشقها رئتاي المرهقتان. الرائحة المزعجة هذه هي نفسها التي في مطارح أخرى أحبها. أحبّها كما أحبّ جميع الروائح المتناقضة مثلي. أحبّها لأنني أقصدها وأشتمها في كل من أحب أو أنني أحب كل من أشتمها فيه.

الصوت يحيط بي من كلّ جانب
وأنا أفتّش عن علاقتي المبهمة الطويلة بهذا الكائن الذي فتحت عينيّ عليه ولا زلت غير قادرةٍ على الاستقلال عنه.
الصوت يعلو من كلّ جانب
وأنا أرى صوراً متلاحقةً لمراحل عمرية عابرة والثابت فيها هو هذي البيضاء الملساء المحترقة.
الصوت يتوزع في المكان
ونظراتي معه تجسّ الآخرين، تبحث فيهم عن ذائقةٍ تشبهني، عن هوسٍ مثيل، عن متلازمة احتراقٍ أخرى.

الدخان يحيط بي من كلّ جانب
الرائحة المزعجة هذه هي نفسها التي في مطارح أخرى أحبها. أتذوّقها.
نكهة السجائر في القبلة.
أكذب. ربما السجائر الفرنسية.
ربما هذا هو ما أحب وأقصد.
مذاق السيجارة في الأصابع، إطلالتها في الصباح وجلستها التي تفيض بالإغراء بين أصابع من نريد.
هاتي الجلسة تدعو للغيرة الحمقاء. هاتي الجلسة التي لو صاحبتها الكأس الحمراء الساكنة فيّ لتفتحت كل مسام الفسحة عن رائحة حب طري.

وما زلت أفكّر. وما زلت أجرّب. لكن
الصوت يخفت من كلّ جانب
اهتزازات الجسد تنطفئ
أعقاب السجائر تنزوي
الدخان ينقشع من كلّ جانب
الأحمر يتسرب من هذي الكأس التي تتسرب من يدي
أنا وشعري نصبح اثنين وحدنا
أنا وشعري نقترب، نتقارب، نتماهى، نصير أنا.
نبتسم. نعود للبيت وحدنا.

فرح برقاوي

بدأت في 17 كانون ثاني 2012
بيروت، لبنان

الاثنين، يناير 16، 2012

في يوم أحد اعتيادي

أحس بالاختناق

قبضة ملطخة بكل قذارة الأرض تلتف حولي. هذا الثعبان المباغت المتسلل انقض علي. أراه يدور، بادئاً من قدمي، يتسلقني، يغطيني، يعتصرني، يجتث كل طاقةٍ للبقاء فيّ، يعريني من علامات الروح، أراني أموت.

كان يومي هادئاً نسبياً، غائماً جزئياً. كان يوم أحدٍ اعتيادي، يبدأ بالاستيقاظ في العاشرة صباحاً، قراءة بعض الصفحات من رواية "غرفة العناية المركزة" التي بدأتها منذ عدة أيام، التمدد لنصف ساعة بجوار دفء "ك" والحديث عن آخر المستجدات الحياتية والعاطفية مع بعض المواقف الطريفة التي حدثت أثناء أسبوعينا المنفصلين، ثم إعداد القهوة وساندويتش الجبنة الساخن معها واستكمال الأحاديث، والتخطيط ليوم الأحد، اليوم الثاني من كل إجازة أسبوعية في بيروت، لبنان.

غسلت شعري كما كانت تفعل أمهاتنا وجداتنا في الزمن البعيد، مستمعةً لنصيحة الكهربائي الذي أّجّل تصليح سخّان الماء للغد بسبب إغلاق المحلّات التي تبيع قطع الغيار المناسبة، ملقية برأسي بالوضعية المقلوبة فوق حوض الاستحمام أغمره بالشامبو والماء الذي سخن مسبقاً على النار. ثم جهزت نفسي وذهبنا جميعاً لسوق الأحد.

مشينا تحت الغيم وشوادر البلاستيك في الأزقة الطينية لسوق الأحد. توقفنا هنا وهناك لدى المحلات الموشحة بمزيجٍ مبهرٍ من الفقر والقذارة والاحتيال والبضائع الملفتة. كل واحدٍ منا خرج بقطعة ما من سوق الأنتيكا، وأنا عن نفسي اشتريت مسبحة يتدلى منها صليبٌ منقوشٌ بخطوطٍ متجهة من المركز للخارج كشمس تسطع على البشرية الحمقاء، ومفتاحاً قديماً ينفتح على داخله ليصير فتّاحة لزجاجات النبيذ، وقطعة سجّاد صغيرة جداً لا تصلح إلا لتغطي طاولةً جانبية ولا تعجب أحداَ ممن كانوا معي.

لكن الشمس لم تسطع في هذا الأحد الاعتيادي. ظل الجو غائماً رمادياً، وظللنا نحن نحاول أن نقضيه بالتنقل بين جميع الأنشطة التي لا نطرقها عادةً، ذهبنا عند "ماما تيتا" السيدة العجوز التي تعد مناقيش الله في سن الفيل مقابل جامعة الألبا حيث كانت "ك" تدرس سابقاً. دللتنا كما اعتدنا واعتادت، وأكلنا أكلنا حتى أصبحنا بغير قدرة على الحركة، ثم تحركنا عائدين.

ذهبت بعدها لمنزل والديّ صديقة قديمة يسكننان على مقربة لا توصف من منزلي. دخلت عليهما بعد غيابٍ لألقي التحية على أمها المصابة بالبرد قبل أن أتّجه لمنزلي وأذهب مع أصدقائي لحضور حفلة "الفرعي" في زيكو هاوس بالصنايع. دخلت عليهم، وبعد أن جلست قليلاً ذهبت للمطبخ مع الأم لتحضير الشاي، ليجيئنا صوت الأب من الصالة يحدثنا عن خبر عاجل على أحد القنوات التلفزيونية اللبنانية.

"خبر مؤسف بشكل حقيقي" و"من الطبيعي أن يكون الناس المتواجدين مصابين بالفزع" تقول المذيعة. تقول أيضاَ وتذكرنا كل أقل من خمس دقائق بأن قتيلة واحدة كانت هناك، أو كما وصفتها بالـ"البنت الوحيدة الميتة واسمها _ _ _". تسمرت أنا أمام تلك الشاشة التي أكرهها. غارت عيناي وانتصبت أذناي كتلك الكلاب البوليسية التي رأيتها تركض فوق ركام المبنى الذي انهار "بقدرة قادر" وبجميع طوابقه على كل من فيه من أحياء وجماد. المبنى المغدور كان في الأشرفية، بيروت، لبنان. ويضيف أحد نواب مجلس الشعب عن المنطقة حين سأله مراسل القناة بأنه "حزين، فلم يكف هذه المنطقة تعرضها للانفجارات حتى تصاب بفجيعة كهذه وينهار أحد مبانيها"، ويتأسف النائب لضعف قوات الإنقاذ "فليست هذه القوات مجهزة لهكذا كارثة". وأسرح أنا.

عيناي الغائرتان ترحلان لمكان آخر. لزمن آخر. لمشاهد أخرى سمّرتني قبل الآن أمام نفس الشاشة التي أكرهها. رأيتني أمام شاشة تلفازي في منزلٍ صغير كان منزلي في دبي. يناير/كانون الثاني 2009. أحدق في الشاشة وفي الموت حتى أصبحا وجهان لحرب واحدة. أحدق في الشاشة وفي الشخص الجالس قربي، في نفسي، في هاتفي الذي لم يرن والذي لن يرن كما اعتاد كل يوم حين تتصل بي أمي عدة مرات من غزة. أمي كانت بخير، لكنها لم تتصل لأن الكهرباء عزيزة في عمق الحرب، ولأنها لا تستطيع أن تهدر كل ما في هاتفها من طاقة لعلّها تحتاجه إن حلت مصيبة.

أيّ مصيبة؟ أكثر من التي كنت وما زلت أراها نفسها في هذه الشاشة التافهة. أيّ مصيبة؟ أسوأ من أن تجلس محملقاً في الدم وكلّك كلّ الظن بأنك تعرف ما يجري، وبأنّك ممسك بزمام الأمور، وبأنهم سيذكرون اسم من رحلوا، وأنك حتى الآن لم تسمع اسم أحد يخصك لا من قريب ولا من بعيد، إذن فأنت تستطيع النوم كما نمت البارحة، حتى ولو أرقتك الأفكار السوداء لبعض من الليل.

في بيروت تسمّرت. وتذكرت الشاشة التي بغضتها عاماً كاملاً أو عامين. من خريف 2000. كنت في السادسة عشر حين دخلت طائرات الإف 16 الإسرائيلية حياتي. حين عمّت رائحة الموت مدينتنا. حين خرجنا للمدرسة في السادسة صباحاً ودارت الحافلة في شوارع يملؤها الدم والذباب. تذكرت كيف أن وجودي داخل غزة كان مريحاً، خاصة في الحرب، فلم أحتج لشاشات بغيضة لأسمع صوت الطائرة القاتلة. لم أحتج لرنين هاتف يطمئنني على أحد. لم أخف مثلما خفت منذ خرجت منها.

كان يوم أحدٍ اعتيادي، يومي ويوم كل من حولي، ويوم تلك العائلات التي لم تنتشل كلها بعد سواء جرحى أو جثث من تحت مبنى الأشرفية المنكسر. كان يوم أحدٍ اعتيادي حتى صارت الساعة السادسة والنصف، حتى اختنق المبنى بكل من فيه ولم يعد قادراً على الوقوف، حتى نزل عليهم وعلينا وعلى الشاشات التي أكرهها.

تأملت الشاشة طويلاً، أريد الكتابة كنت أحدث نفسي، أريد البكاء، أريد أن أقتل المذيعة أيضاَ، هذه التي تعيد وتزيد وتكرر علينا ما حدث، وتؤكد بأن نقل هذا الخبر حصري لتلك القناة المجيدة. تأملت الشاشة طويلاً وصارحت نفسي، وربما "ك" بأنني خائفة، بأني لا أعرف إن كنت سأستطيع النوم الليلة في المنزل، هذا الذي لم نهنأ بأي ركن فيه دون الحاجة للتصليح والتصليح وإعادة التصليح.

لا أعرف إن كنت سأستطيع النوم في هذا المنزل الذي ربما ينكسر عليّ لركاكة بنائه وطمع أصحابه، وإنجازه "بشلفقة" كما تنجزمعظم الأشياء في بيروت. لا أعرف إن كان سينكسر عليّ لأن مبنى مجاور قيد التعمير قد يؤثر على أساسات مبنانا ويعطيه القدر الكافي من الإزاحة لينهار وتنهار كل خططنا معه، وتضيع كل الأشياء الجميلة التي نحملها للبيت من هنا وهناك لنجعله بيتنا.

لا أعرف إن كنت سأستطيع النوم في هذا المنزل الذي ربما هو الآخر لن يكون، كما لم يكن آخرون من قبله، لن يكون البيت الذي أريده أن يكون.

فرح برقاوي

السوديكو، بيروت، لبنان

الخميس، ديسمبر 29، 2011

رغبات ليلية في الريفييرا - دفء الملاءات البيضاء

في غرفة بفندق ريفييرا أجلس ملتحفة بملاءات بيضاء تخفي تفاصيل الجسد وتكشف دواخل الروح. ملاءاتٌ تشف الأفكار السيئة والطيبة سواء. نشدّ الذكريات التي كانت على أهبة الرحيل، تطفو بها على السطح، تسوقها إلى حيث لا أريد.

رغبة ما تعتريني. تهزني تحت الأغطية البيضاء. أتلمّس الصمت. أريد صمتاً كاملاً لا هدوء. أريد خلوةً لا وحدةً. أريد أصحاباً غير إلكترونيين. أريد حبيباً موجوداً حيث يجب أن يكون. هنا. كهذه الملاءة دافئاً يكون. كهذا الصمت بليغاً يكون. كهذا الليل واسعاً يكون. كهذه المدينة بيتاً يكون.

تعتريني رغبة في البكاء. لا أريد أن أصدّق. لا أريد أن أكذّب. أحتاج لمصالحة ما. عدة مصالحات. مع المدن التي تقمصتها وتلك التي حاولتني. مع البيوت التي سكنتها وتلك التي غربتني. مع الدقائق التي أضعتها وتلك التي غيرتني. مع الأفكار التي أهملتها وتلك التي دوختني. مع الأمراض التي أخافها وتلك التي أوهنتني. مع الليالي التي رفضتها وتلك التي سهرّتني. مع العيون التي أتعبتها وتلك التي أطفأتني.

أحتاج ليوم أعيد فيه يومي. أحرّر فيه التفاصيل، أصحح القواعد اللغوية والحركية، أراجع الأحداث، أحذف أواخر الجمل التي لم أتنبه إلى عدم لزومها إلا بعد أن انفلتت من بين شفتي. أتدارك مصائد الكلمات ومصائب التخاطب، أتحرك بما يناسب الطقس والطقوس.

أريد من كل يومٍ اثنين، مسوّدة ونسخة تصلح للطباعة والنشر. أريد من كل شيءٍ اثنين، واحداً أستبيحه وأبليه وآخر يذكرني بأصل الأشياء. أحتاج من كل كلمةٍ اثنتين، واحدة أطوعها/ أقطعها/ أرميها كيفما يكن وأخرى أقبض عليها لعلّ دلالتها لا تتوه وسط المحاولات والتجارب العابثة. أحتاج من كل نظرة اثنتين، واحدة تأخذني إلى الرؤيا وتصل الجمل المرتبكة وأخرى أفرّزها في محاولة لتأريخ حياة كائن يسمى البريق.

أريد من جسدي اثنين. واحد أعيش فيه، أقسو عليه، لا أخلعه قبل النوم، لا أنتبه للونه وقياسه وأبعاده وآخر يظل شقياً صبياً مفتولاً بصدر كمثريّ واثق، خطوات راقصة، وشعر بني غامق يغمز لسطوع الشمس بكستنائية لعوبة.

أريد أن أكون كتاباً، حجراً، كرسياً خشبياً معتّقاً، رخاماً خمرياً مشققاً، جميّزة عجوز واقفة وسط ساحة بلدة قديمة. أريد أن أكون مخطوطة، يحفظها الآخرون ويرجعون إليها كلّما تاهت خطاهم. أغنية كتبها صاحبها بعشق محموم ليصيب العالم بإدمان عضال على سماعه وجسّ عاطفته المنسكبة.

أريد أن أكون لمرة واحدة وطناً حراً.

أريد أن أكون.


فرح برقاوي

بيروت
العشرة أيام الأخيرة من ديسمبر

الجمعة، ديسمبر 23، 2011

سقوط المؤجلات

صباح الحزن المؤجل.
صباح البكاء المؤجل. دفء السرير المؤجل. عتمة الروح المؤجلة.
الحمّام الساخن المؤجل. ضربات القلب المتسارعة المؤجلة.
صباح حديث مؤجل وآخر على قائمة التأجيل.
صباح الكتابة المؤجلة ككل شيء.

الأحد، نوفمبر 27، 2011

شكرٌ واجب ومتأخر

الخميس الأخير من تشرين الثاني/نوفمبر

عيد الشكر يأتي هذا العام على شيكاغو أو عليّ عاصفاً/ ممطراً/ بارداً..

ولكنه يأتي باسماً/ فاتحاً ذراعيه/ واعداً بفرحٍ مؤجل

*****

هذه الليلة

أشكر الحياة على شقتي الصغيرة في شيكاغو.

هذه المساحة الضيقة الأبعاد –الاستديو- بسريرها الذي يتسع لشخص وظله وأزيز سقفها وأرضيتها الخشبيين تتسع لكل تفاصيلي/ ألواني/ أهوائي.هي بيتي.

هي بيتي الذي يخبئني من بردك شيكاغو، من وحشة الوحدة، ومن شرور نفسي.

في شقتي الصغيرة الدافئة بشيكاغو، تجدون من كل شيء قطعة واحدة. إلا مني. فأنا فيها أتبعثر وأبعثر شعري في كل زاوية.

بريق عيني يحلق في المكان/أرقص وحدي/ أستمع لنقاشٍ حاد بين المطر ونافذتي/أنسى نفسي تحت الماء الساخن/أراقب صوتي وصمتي.

*****

هذه الليلة

أشكر الحياة على مشروب "اللاتيه" في كل ساعة وفي كل وقت.

أشكرها على هذا اللون الذي يشي بالدفء والنشوة.

على كل الرشفات. رشفة رشفة. بعض الرغوة تعلق بشفتي وتحرك قلمي.

على كل الأحاديث، النظرات، واللحظات التي تمر في تأمل المارّة خارج واجهات المقاهي.

*****

هذه الليلة

أشكر الحياة على شيكاغو.

أشكرها على كل رياحها التي زعزعتني. على أوراق الخريف التي علقت بشعري.

على الرحلات اليومية المتكررة من وإلى الجامعة العتيقة. على مخبز ميديتشي العابق بكل ما تشتهي على الطريق.

على ميشيغين أفنيو الصارخ بواجهات محلاته وبساطته وسرعته.

على بحيرة ميشيغن التي تخدعك بهيئة بحر ربما يخبئ أحباءك خلفه.

*****

هذه الليلة

أشكر شيكاغو على قرصات البرد اللاذعة التي تجدد معنى الدفء.

على الرمادي الذي يعب المكان ريثما تحضّر الشمس مفاجأة أخرى.

أشكرها على البعد الموجع والمحبب في آن.

على الوجوه الجديدة. على الصباحات البيضاء.

على الذكريات الناشئة.

على النسيان.


فرح برقاوي

شيكاغو/بيروت

الخميس 25/11/2010